وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} بِإِضَافَةِ الشَّهَادَةِ إِلَى اسْمِ {اللَّهِ} وَخَفْضِ اسْمِ {اللَّهِ} ، لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ الَّتِي لَا يَتَنَاكَرُ صِحَّتَهَا الْأُمَّةُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ عُثِرَ فَإِنِ اطَّلَعَ مِنْهُمَا، أَوْ ظَهَرَ. وَأَصْلُ الْعَثْرِ: الْوقُوعُ عَلَى الشَّيْءِ وَالسُّقُوطُ عَلَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: عَثَرَتْ إِصْبَعُ فُلَانٍ بِكَذَا: إِذَا صَدَمَتْهُ وَأَصَابَتْهُ وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ: بِذَاتِ لَوْثٍ عَفَرْنَاةٍ إِذَا عَثَرَتْ فَالتَّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لَعَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: (عَثَرَتْ) : أَصَابَ مِيسَمَ خُفِّهَا حَجَرٌ أَوْ غَيْرُهُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَاقِعٍ عَلَى شَيْءٍ كَانَ عَنْهُ خَفِيًّا، كَقَوْلِهِمْ: (عَثَرَتْ عَلَى الْغَزْلِ بِأَخَرَةَ، فَلَمْ تَدَعْ بِنَجْدٍ قَرَدَةَ) ، بِمَعْنَى: وَقَعَتْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} فَإِنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنِ اطَّلَعَ مِنَ الْوَصِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ أَمْرَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ حَلِفِهِمَا بِاللَّهِ: لَا نَشْتَرِي بِأَيْمَانِنَا ثَمَنًا، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ، {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} ، يَقُولُ: عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَوْجَبَا بِأَيْمَانِهِمَا الَّتِي حَلَفَا بِهَا إِثْمًا، وَذَلِكَ أَنْ يَطَلِّعَ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا كَاذِبَيْنِ فِي أَيْمَانِهِمَا بِاللَّهِ مَا خُنَّا، وَلَا بَدَّلْنَا، وَلَا غَيَّرْنَا، فَإِنْ وُجِدَا قَدْ خَانَا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ شَيْئًا، أَوْ غَيَّرَا وَصِيَّتُهُ، أَوْ بَدَّلَا، فَأَثِمَا بِذَلِكَ مِنْ حَلِفِهِمَا بِرَبِّهِمَا {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} ، يَقُولُ: يَقُومُ حِينَئِذٍ مَقَامَهُمَا مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ الْأَوْلَيَانِ الْمُوصَى إِلَيْهِمَا.