وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَائِدُ مِنْ ذِكْرِهِمْ عَلَى الْعُمُومِ، كَمَا كَانَ ذِكْرُهُمُ ابْتِدَاءً عَلَى الْعُمُومِ وَأَوْلَى الْمَعْنَيَيْنِ بِقَوْلِهِ: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الْيَمِينُ، لَا الشَّهَادَةُ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةً لِغَيْرِهِ لِمَنْ هِيَ عِنْدَهُ عَلَى مَنْ هِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، لَأَنَّا لَا نَعْلَمُ لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمًا يَجِبُ فِيهِ عَلَى الشَّاهِدِ الْيَمِينُ، فَيَكُونُ جَائِزًا صَرْفُ الشَّهَادَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَ الْحُكَّامِ وَالْأَئِمَّةِ.
وَفِي حُكْمِ الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ عَلَى ذَوِي الْعَدْلِ، وَعَلَى مَنْ قَامَ مَقَامَهُمْ فِي الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} ، أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ الْأَيْمَانُ دُونَ الشَّهَادَةِ الَّتِي يُقْضَى بِهَا لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَفَسَادِ مَا خَالَفَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى يَمِينًا تَجِبُ عَلَى الْمُدَّعِي فَتُوَجِّهُ قَوْلَكَ فِي الشَّهَادَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى الصِّحَّةِ؟ فَإِنْ قُلْتَ: لَا، تَبَيَّنَ فَسَادُ تَأْوِيلِكَ ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلْتُ، لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ الْمُقْسِمَانِ فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} : هُمَا الْمُدَّعِيَّيْنِ. وَإِنْ قُلْتَ: بَلَى، قِيلَ لَكَ: وَفِي أَيِّ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَدْتَ ذَلِكَ؟