يريدُ بالشهادة الشهود ؛ كما يقال: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضاً ، ورجالٌ عَدْلٌ ورِضاً وزَوْر ، وإذا قَدَّرْتها بمعنى الشُّهُود ، كان على حذف المضاف ، ويكون المعنى: عدَّة شهودٍ بينكم اثنانِ ، واستشهد بقوله: {الحج أَشْهُرٌ} [البقرة: 197] ، أي: وقتَ الحجِّ ، ولولا ذلك لنصب أشهراً على تأويل:"الحَجُّ في أشْهُرٍ"، فعلى ظاهر هذا أنه جعل المصدر نفس الشهود مبالغةً ، ولذلك مثله بـ"رِجَال عَدْل"، وفيه نظر.
الثاني: أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضاً ، وخبرها محذوفٌ يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام ، و"اثْنَان"على هذا مرتفعان بالمصدر الذي هو"شهادة"، والتقدير: فيما فَرَضَ عليْكُمْ أن يشهد اثْنَانِ ، كذا قدَّره الزمخشريُّ وهو أحد قولي الزَّجَّاج ، وهو ظاهرٌ جدًّا ، و"إذَا"على هذين الوجهين ظرف لـ"شَهَادَةُ"، أي ليُشْهَد وقتُ الموت - أي أسبابه - و"حِينَ الوصيَّةِ"على هذه الأوجه ؛ فيه ثلاثة أوجه:
أوجهها: أنه بدلٌ من"إذَا"، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره ، قال:"وفي إبداله منه دليلٌ على وجوب الوصية".
الثاني: أنه منصوبٌ بنَفْسِ الموت ، أي: يقع المَوْتُ وقْتَ الوصية ، ولا بُدَّ من تأويله بأسباب الموت ؛ لأنَّ وقتَ الموتِ الحقيقيِّ لا وصيةَ فيه.
الثالث: أنه منصوبٌ بـ"حَضَرَ"، أي: حَضَر أسباب الموتِ حين الوصيَّة.
الثالث: أنَّ"شَهَادَةُ"مبتدأ ، وخبره:"إذَا حضَر"، أي: وقوعُ الشهادة في وقتِ حضُورِ الموتِ ، و"حِينَ"على ما تقدَّم فيه من الأوجه الثلاثة آنفاً ، ولا يجوزُ فيه ، والحالةُ هذه: أن يكون ظرفاً للشهادة ؛ لئلا يلزمَ الإخبارُ عن الموصول قبل تمامِ صلته ، وهو لا يجوزُ ؛ لما مرَّ ، ولمَّا ذكر أبو حيَّان هذا الوجه ، لم يستدركْ هذا ، وهو عجيبٌ منه.