وتأول الآية جماعة من أهل العلم على غير هذا كله ، قال الحسن بن أبي الحسن وقوله تعالى: {منكم} يريد من عشيرتكم وقرابتكم ، وقوله {أو آخران من غيركم} يريد من غير القرابة والعشيرة ، وقال بهذا عكرمة مولى ابن عباس وابن شهاب ، قالوا أمر الله بإشهاد عدلين من القرابة إذ هم ألحن بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها ، فإن كان الأمر في سفر ولم تحضر قرابة أشهد أجنبيان ، فإذا شهدا فإن لم يقر ارتياب مضت الشهادة ، وإن ارتيب أنهما مالا بالوصية إلى أحد أو زادا أو نقصا حلفا بعد صلاة العصر ومضت شهادتهما ، فإن عثر بعد ذلك على تبديل منهما واستحقاق إثم حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولين.
وقال بعض الناس الآية منسوخة ، ولا يحلف شاهد ، ويذكر هذا عن مالك بن أنس والشافعي وكافة الفقهاء ، وذكر الطبري رحمه الله أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو بحسب التداعي ، وذلك أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إن ارتيب فقد ترتبت عليهما دعوى فلتزمهما اليمين ، لكن هذا الارتياب إنما يكون في خيانة منهما ، فإن عثر بعد ذلك على أنهما استحقا إثماً نظر ، فإن كان الأمر بيناً غرما دون يمين وليين ، وإن كان بشاهد واحد أو بدلا بل تقتضي خيانتهما أو ما أشبه ذلك مما هو كالشاهد حمل على الظالم وحلف المدعيان مع قام لهما من شاهد أو دليل.
قال القاضي أبو محمد: فهذا هو الاختلاف في معنى الآية وصورة حكمهما ، ولنرجع الآن إلى الإعراب والكلام على لفظة لفظة من الآية ، ولنقصد القول المفيد لأن الناس خلطوا في تفسير هذه الآية تخليطاً شديداً ، وذكر ذلك والرد عليه يطول ، وفي تبيين الحق الذي تتلقاه الأذهان بالقبول مقنع ، والله المستعان ، قوله {شهادة بينكم} قال قوم الشهادة هنا بمعنى الحضور ، وقال الطبري: الشهادة بمعنى اليمين وليست بالتي تؤدى.