قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وإنما قلنا يصح استثناؤه في نفسه ، فلأن الأيمان تعتبر بالنيات ، وإنما قلنا لا يصح ذلك حتى يحرك به لسانه وشفتيه ؛ فإن من لم يحرك به لسانه وشفتيه لم يكن متكلماً ، والاستثناء من الكلام يقع بالكلام دون غيره ؛ وإنما قلنا لا يصح بحال فلأن ذلك حق للمحلوف له ، وإنما يقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم ، فلما لم تكن اليمين على اختيار الحالف بل كانت مستوفاة منه ، وجب ألاّ يكون له فيها حكم.
وقال ابن عباس: يدرك الاستثناءُ اليمين بعد سنة ؛ وتابعه على ذلك أبو العالية والحسن وتعلق بقوله تعالى: {والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ} [الفرقان: 68] الآية ؛ فلما كان بعد عام نزل {إِلاَّ مَن تَابَ} .
وقال مجاهد: من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه.
وقال سعيد بن جُبير: إن استثنى بعد أربعة أشهر أجزأه.
وقال طاوس: له أن يستثني ما دام في مجلسه.
وقال قَتَادة: إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثُنْياه.
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: يستثنى ما دام في ذلك الأمر.
وقال عطاء: له ذلك قدر حَلَب الناقة الغزِيرة.
السابعة عشرة قال ابن العربي: أمّا ما تعلق به ابن عباس من الآية فلا متعلق له فيها ؛ لأن الآيتين كانتا متصلتين في عِلم الله تعالى وفي لوحه ، وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله ذلك فيها ، أَمَا أنه يتركب عليها فرع حسن ؛ وهو أن الحالف إذا قال والله لا دخلت الدار ، وأنت طالق إن دخلت الدار ، واستثنى في يمينه الأوّل إن شاء الله في قلبه ، واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضاً ما يصلح للاستثناء الذي يرفع اليمين لمدّة أو سبب أو مشيئة أحد ، ولم يظهر شيئاً من الاستثناء إرهاباً على المحلوف له ، فإن ذلك ينفعه ولا تنعقد اليمينان عليه ؛ وهذا في الطلاق ما لم تحضره البينة ؛ فإن حضرته بينة لم تقبل منه دعواه الاستثناء ، وإنما يكون ذلك نافعاً له إذا جاء مستفتياً.