قلت: وجه الاستثناء أن الله تعالى أظهر الآية الأولى وأخفى الثانية ، فكذلك الحالف إذا حلف إرهاباً وأخفى الاستثناء.
والله أعلم.
قال ابن العربي: وكان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام ، وكانت الكتب تأتي إليه من بلده ، فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحداً مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه ؛ فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضاً من الطلب وعزم على الرحيل ، شدّ رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل ، فقرأ فيها ما لو أنّ واحداً منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم ، فحمد الله ورَحَّل على دابة قُمَاشه وخرج إلى باب الحَلْبَة طريق خُرَاسان ، وتقدّمه الَكرِيّ بالدّابة وأقام هو على فَاميّ يبتاع منه سُفرته فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر: أما سمعت العالم يقول يعني الواعظ أن ابن عباس يجوّز الاستثناء ولو بعد سنة ، لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظلَلْت فيه متفكراً ، ولو كان ذلك صحيحاً لما قال الله تعالى لأيوب: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} [ص: 44] وما الذي يمنعه من أن يقول: قل إن شاء الله! فلما سمعه يقول ذلك قال: بلد يكون فيه الفامِيُّون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة؟ لا أفعله أبداً ؛ واقتفى أثر الكَرِي وحَلَّله من الكِراء وأقام بها حتى مات.
الثامنة عشرة الاستثناء إنما يرفع اليمين بالله تعالى إذ هي رُخْصة من الله تعالى ، ولا خلاف في هذا.
واختلفوا في الاستثناء في اليمين بغير الله ؛ فقال الشافعي وأبو حنيفة: الاستثناء يقع في كل يمين كالطلاق والعتاق وغير ذلك كاليمين بالله تعالى قال أبو عمر: ما أجمعوا عليه فهو الحق ، وإنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله عز وجل لا في غير ذلك.