قال ابن عبد البر: وذكر سفيان الثوريّ في"جامعه"، وذكره المَرْوَزِيّ عنه أيضاً ، قال سفيان: الأيمان أربعة ؛ يمينان يكفَّران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل ، أو يقول والله لأفعلنّ ثم لا يفعل ، ويمينان لا يُكفَّران وهو أن يقول الرجل والله ما فعلت وقد فعل ، أو يقول والله لقد فعلت وما فعل ؛ قال المَرْوَزِيّ: أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان ؛ وأما اليمينان الأخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما ؛ فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا ، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقاً يَرَى أنه على ما حلف عليه فلا إثم عليه ولا كفّارة عليه في قول مالك وسفيان الثوريّ وأصحاب الرأي ، وكذلك قال أحمد وأبو عبيد ؛ وقال الشافعي لا إثم عليه وعليه الكفّارة.
قال المَرْوَزِيّ: وليس قول الشافعي في هذا بالقويّ.
قال: وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا وقد فعل متعمداً للكذب فهو آثم ولا كفّارة عليه في قول عامة العلماء ؛ مالك وسفيان الثوريّ وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد.
وكان الشافعي يقول يُكَفِّر ؛ قال: وقد رُوي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي.
قال المَرْوَزِيّ: أميل إلى قول مالك وأحمد.
قال: فأما يمين اللغو الذي اتفق عامة العلماء على أنها لَغْو فهو قول الرجل: لا والله ، وبلى والله ، في حديثه وكلامه غير منعقدٍ لليمين ولا مُريدها.
قال الشافعي: وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة.
الرابعة قوله تعالى: {ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان} مخفف القاف من العقد ، والعقد على ضربين حِسِّيّ كعَقْد الحبل ، وحُكْميّ كعَقْد البيع ؛ قال الشاعر:
قوم إذا عَقَدوا عَقْداً لجارِهم ...
شَدُّوا العِنَاجَ وشَدُّوا فوقه الكَرَبَا
فاليمين المنعقدة منفعِلة من العقد ، وهي عقد القلب في المستقبل ألاّ يفعلَ ففعل ؛ أو ليفعلنّ فلا يفعل كما تقدّم.