أي: قل لهم يا محمد: يا معشر اليهود والنصارى لا تتجاوزوا في دينكم واعتقادكم في عيسى عليه السلام الحد الذي حده الله فيه، ولا تخرجوه عن القدر الذي أعطاه الله إياه، وهو كونه عبد الله ورسوله تجاوزًا باطلًا غير الحق بالإفراط والتفريط فيه {وَ} قل يا محمد أيضًا لليهود والنصارى المعاصرين لك {لَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ} ؛ أي: لا تقتفوا مذاهب قوم من رؤساء أسلافكم {قَدْ ضَلُّوا} عن التوراة والإنجيل {مِن قَبْلِ} ؛ أي: من قبلكم، أو من قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - ، يعني أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا عن شريعتهم قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - {وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} من سفلتهم الذين تابعوهم على بدعهم وضلالهم {وَضَلُّوا} بعد مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - {عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} ؛ أي: عن قصد الطريق قويمه الذي هو الإِسلام حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه، فالمراد بالضلال الأول ضلالهم عن التوراة والإنجيل، وبالثاني: ضلالهم عن القرآن. قال القرطبي: وتكرير ضلوا للإشارة إلى أنهم ضلوا من قبل، وضلوا من بعد، والمراد الأسلاف الذي سنوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى انتهى. والخلاصة: أن الله سبحانه وتعالى نهى أهل الكتاب الذين كانوا في عصر التنزيل عن الغلو الذي كان عليه من قبلهم من أهل ملتهم، وعن التقليد الذي كان سبب ضلالهم، إذ هم قد اتبعوا أهوائهم، وتركوا سنن الرسل والنبيين والصالحين من قبلهم؛ لأن كل أولئك كانوا موحدين، وكانوا ينكرون الشرك والغلو في الدين، فعقيدة التثليث وتلك الشعائر الكنسية مستحدثة من بعدهم، كشرع عبادات لم يأذن بها الله، وتحريم ما لم يحرمه الله من الطيبات، بل حرمها القسيسون والرهبان على أنفسهم وعلى من اتبعهم مبالغة في التنسك والزهد، أو رياء وسمعة، وجعلوا الأنبياء والصالحين أربابًا ينفعون ويضرون بسلطة غيبية لهم فوق سنن الله في الأسباب والمسببات الكسبية، ولذا جعلوهم آلهةً يعبدون من دون الله أو مع الله.
كل أولئك قد ضلوا به وأضلوا كثيرًا ممن اتبعهم فيه، وسيكون لسبب شقائهم وعذابهم في الآخرة إنْ لم يرجعوا عنه، وينيبوا إلى الله منه.