وقد وردت إشارة كاملة إلى هذا الميثاق في"سفر تثنية الاشتراع"وهو أَحد أَسفار التوراة الباقية بأَيديهم، وكلها مع ما أَشار إليه القرآن الكريم.
ولم يكتف الله - سبحانه وتعالى - بأَخذ الميثاق عليهم بل أَرسل إليهم رسلا عديدين يذَكِّرونهم به، ويَدْعونهم إليه ويُنْذِرونهم بالعقاب الأَليم، الذي ينتظرهم إذا هم عادوا إِلى نقضه , بحيث لم يبق لهم عذْرٌ في مخالفته بعد أَن أَخذه الله عليهم، ونَبَّهتهم الرسل العديدون إليه.
{كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} :
ولكنهم لم يكتفوا بنقض الميثاق، بل كانوا يجابهون رسلهم بالتكذيب والجحود، إِذا دعَوْهم إِلى ما يخالف أَهواءَهم وشهواتهم، ولم يقتصروا على التكذيب، بل قتلوا بعض هؤُلاءِ الأنبياءِ.
والتقدير: كلما جاءَهم رسول بما يخالف أَهواءَهم، استكبروا ولجُّوا في العناد، فكذبوا فريقا من الأَنبياء، وقتلوا فريقا منهم. كما قال تعالى لهم: { ... أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} .
والتعبير بالفعل المضارع {يَقْتُلُونَ} : لاستحضار فظاعته في الذهن، ولأن آثاره تمتد من الماضي السحيق إلى المستقبل البعيد.
71 - {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا. . .} الآية.
أي: وظن اليهود أَلا يكون عليهم - في قتلهم أَنبياءَهم وتكذيبهم لهم - عذاب، فعموا وصموا عن الحق، فلم يتبصروا في آياته الكونية ولم يسمعوا آياته التنزيلية , وظلوا سادرين في غيهم.
{ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} :
أَي: ثم قبل الله توبتهم لما رجعوا إِليه. ثم رجعوا إلى ما كانوا فيه من غي، فَعَمى كثير منهم وصَمُّوا مرة أُخرى، وأوغلوا في الفساد.
{وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} : فيعاقبهم بما صنعوا من الآثام والمعاصي.