هكذا أوقف رسول الله سلطتهم الزمنية ولم يعد لهم الجاه ، ووحّد الأوس والخزرج ، وكان اليهود يعيشون على الشقاق بينهما ، ببيع الأسلحة والإقراض بالربا . ومع مجيء محمد صلى الله عليه وسلم تهدم بنيان سلطتهم ؛ لذلك حاولوا أن يشجعوا خصوم رسول الله وهو ما زال في مكة ليهزموا الدين الجديد حتى لا يزحف الدين إلى المدينة ويهدر سلطانهم:
وفي ذلك جاء القول الحق: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أولئك لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخرة وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] .
والثمن القليل هو الأبهة والرئاسة وسدة الحكم . وها هوذا كعب بن الأشرف كبير يهود وله ثراء ولسان ، يخرج إلى قريش ليناقشهم في ضرورة وأد الدين الجديد والقضاء عليه . فقالت له قريش: إنك من أهل الكتاب . ولك صلة بالسماء .
فيقول لهم: إنكم أهدى من محمد سبيلا!! كيف يصير المشركون عبدة الأصنام أهدى من محمد سبيلا؟ .
وهكذا نرى قوله الحق: {ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ} . لقد تحالفوا مع معكسر الشرك الذي كان بينهم وبينه خصومة حتى لا تتسرب السلطة من أيديهم . وتعاونوا مع الذين أشركوا لإيقاف زحف الدين الجديد .
{ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ وَفِي العذاب هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 80] .
ويتولونهم أي ينصرونهم ويعينونهم ويدعون أنهم على حق ، وكأن الدين الجديد على باطل . ويقسم الحق هنا أنه بئس ما زينت لهم النفس الأمارة بالسوء ، لأنهم افتقدوا النفس اللوامة ، وغلبت عليهم النفس الأمارة بالسوء .