ومع هذا كله ما تنازلت عن البلاغ . وكان يجب أن يفطنوا إلى أنك لا تطلب لنفسك شيئاً ، لا المال ولا الجاه بل أنت رسول من الله لا تأكل من صدقة أحد ، لا أنت ولا أهلك . وكان يجب أن يتساءلوا: لماذا تدخل بنفسك إلى هذه الحرب الضارية ؛ فلا أنت طالب جاه ولا أنت طالب مال ، ولا أنت طالب لمتعة من تلك المتع . وكان يجب أن يأخذوا العبرة ، فهم يعرضون عليه كل هذه الأشياء . وهو يرفضها ؛ لأنه خاتم الأنبياء ؛ لذلك يتمثل فيه خير كل من سبقه من الأنبياء . يتمثل فيه على سبيل المثال ما قاله سليمان لوفد بلقيس ملكة سبأ: {فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36] .
إذن كان يجب على الناس أن يفطنوا إلى أن النبوة حينما تأتي إنما تأتي لتلفت الناس إلى السماء وإلى منهجها ولتنتظم حركة حياتها في الكون ، وأن المنتفع أولاً وأخيراً بالمنهج هم أنفسهم ؛ لأنهم هم الذين يشقون بمخالفتهم منهج الله .
وليجرد كل إنسان نفسه من كل شيء ولينظر إلى المنهج ولسوف يجد أنه في صالحه . فها هوذا سليمان الذي دانت له الدنيا وأُعْطِيَ ملكاً لم يعطه الله لأحد من بعده فسخر الله له الريح وسخر له الجن يفعلون له ما يشاء . وكان سليمان يعطي الدقيق النقي للعبيد ليستمتعوا بالطيبات ، ويأكل هو ما تبقى من نخالة الدقيق ، وكان ذلك دليلاً من الله أن هذه المناهج ليست لصالح نبي ، ولكن كل نبي إنما يريد بالمنهج صالحَ من أُرسل إليهم .
وكانت مقاومة أهل الكتاب لنبي الله داود ، وكيف أنهم اعتدوا في يوم السبت فدعا عليهم داود عليه السلام فمسخهم الحق قردة ، ولعنهم في الزبور ، وكذلك قالوا الإفك في مريم البتول ولعنهم الله في الإنجيل ، ولم يكن اللعن إلا بناءً على ما فعلوا ؛ لذلك يذيل الحق الآية بالقول: {ذلك بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} .