إن الذي يحكم الحق هو واقعة ؛ لأن المتكلم به يستقرئ واقعاً . لكن الكاذب لا يستقرئ واقعاً فلا يعلم ماذا كذب في المرة الأولى . ونذكر الكاذب الذي جلس يقول: مرة كنا سائرين وخرجنا من القرية ذاهبين إلى المدينة لنأتي بحاجات عيد الفطر . وكانت الدنيا قمراً كالظهر وقوله:"قمراً كالظهر"هي التي تكشف كذبه ، فكيف يكون في ليلة العيد قمرٌ ، وأول ليلة في عيد الفطر هي أول ليلة في شوّال ، وليس فيها أي قمر ، الهلال يكاد يكون مخفياً .
إذن فالذي يستوحي واقعاً لا يتغير كلامه لأنه حق . والذي يستوحي غير الواقع لا يذكر ماذا قال فيخلط . لذلك لا يقولن إنسان غير الحق لأن قوله سيتضارب . وإذا تضارب هذا القول في مسألة الألوهية فإن الناس قد تشك في منهج السماء الذي يتبعونه . وإذا شك الناس في منهج السماء فسيكون عليكم وزر إضلال الناس ؛ لأن الذي يتعرض لهذه القضية يجب ألا يجرب الناس عليه أي شيء من المخالفة . ولذلك قال سيدنا إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الممتحنة: 5] .
لماذا قال سيدنا إبراهيم هذا الدعاء؟ ؛ لأنه إن قال شيئاً ثم عمل بما يناقضه فقد يتصور من يراه أنه - والعياذ بالله - كذاب .
{قُلْ ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحق وَلاَ تتبعوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السبيل} ويا ليتهم ضلوا فقط في ذواتهم بل هم يحاولون إضلال غيرهم . لذلك قال سبحانه: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109] .