وجاء مثل هذا القول في آية أخرى: {ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق} [النساء: 171] .
وحتى نفهم أن مسألة الغلو إنما جاءت في ادعاءات ألوهية البشر ؛ قال الحق بعد ذلك: {إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171] .
فلا داعي للغلو بنسب الأولوهية له أو أنه ثالث ثلاثة . فإن كنتم متشككين ووصلتم إلى هذا الشك بسبب عدم عنصر الذكورة في مجيء عيسى ، فافهموا أن كل الأشياء جاءت ب"كن"؛ لأنه وإن وجُدت مقدمات للإنسان ، فَرَقَّ هذه المسألة إلى واحد لم يأت من إنسال ، وستصل إلى آدم وآدم من تراب ؛ إذن كل الكون كلمة . وإن وجدت أسباباً فما طمره الله في الكلمة الأولى ، فحين يجيء إنسان أُنشئ بكلمة فلا تقولن: إن هذا شيء عجيب ؛ لأن الكون كله إنما نشأ بكلمة: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] .
وإن كانت الفتنة قد نشأت في ظاهر الأمر من أن المسيح ليس له أب في عالم الإنسال وقانون التناسل ، فما كان يجب أن تكون الشبهة في هذا ؛ لأنه مخلوق من أم ، وآدم مخلوق بلا أب ولا أم .
وكان يجب أن تكون الفتنة في آدم أكبر . والكلمة من الله تنشئ حياة . والحياة إدخال روح في مادة لتهبها الحركة والحس ومقومات الحياة . إذن فالكلمة تقال من الله فتأتي الروح لتدخل في المادة: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} . {وَرُوحٌ مِّنْهُ} مثلها مثلما قال في آدم: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] .