فإن قيل: فقد قاله: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)
فقدم ذكر النفع ؟
قيل: تقدم النفع في هذا المكان أولى لأنه لما ذكر تحريهم عن أنفسهم فيما يجرون لها.
والإنسان يتحرى لنفسه النفع لا الضر ، بيَّن أنهم لا يملكون ما يحبون
فلأنفسهم ، بل لا يملكون أيضاً في حقيقة الضر فضلاً عن النفع.
وأما إتباعه بقوله: (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) فهو أنه لما لم ينكروا أن الله مالك الضر والنفع ، ولا أنه قادر على مجازاة من استحق المجازاة ، بل أشركوا بينه وبين غيره عَقَّبه بما اقتضى معنى ملكه للضر والنفع ، وقدرته على المجازاة وذكر أنه هو المجازي
فإن قوله: (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) اقتضى أنه يجازي بما يسمعه
ويعلمُه ، وإدخال هو في قوله: (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) اقتضى أن هذا الحكم خاص له لا يشاركه فيه غيره ، صار مقتضى الكلام أنه يملك النفع والضر وأنه يجازي كل أحد باستحقاقه .
قوله عز وجل: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ(77)
الغلو: تجاوز الحد من قولهم غلا السهم وغلا السعر ويستعمل في الإفراط
دون التفريط ، والخطاب قيل هو للنصارى حيث تجاوز القصد في عيسى
عليه الصلاة والسلام فادعوا له الربوبية.
وقيل: هو خطاب لهم ولليهود ، فالنصارى غلوا في رفعه ،
واليهود في وضعة ،
وقوله: (غَيْرَ الْحَقِّ) انتصب بإضمار: (وَلَا تَقُولُواْ) كقوله: (وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ، وبيَّن أن الذي عليه قومهم هو من مقتضى الهوى فنهاهم عن اتباعهم فيه.
كما قال تعالى: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)