الصديقين ، ثم نبه على بعضهما بافتقارهما إلى الطعام المقتضي لبعض الحاجة فكنى تعالى عن ذلك بأحسن كناية ثم عجب منهم بقوله: (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) وإذا كان حالُهما لا يخفَى ومع
ذلك ينصرفون عن الحق وتفهمه.
قيل معنى: (يُؤْفَكُونَ) : يصرفون
كاذبون فيما يدعونه.
قوله تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(76)
إن قيل لم قال: (مَا لَا يَملِكُ) ولم يقل (مَن) ، وقد قصد بذلك نفيُ إلاهية
عيسى ، وكيف قال: (يَملِكُ لَهُم ضَرًّا وَلَا نَفعًا) وقد كان عيسى
يملك ذلك وإن كان بتخليق الله إياه ، ولمَ قدم الضر على النفع ، ولم أتبع ذلك قوله: (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، وقد كان من حق المقابلة أن يُقال
والله هو الضار النافع ؟
قيل: أما ذكر (مَا) فلكونه للجنس والنوع المقتضين لمعنى عام يقصد بذكره وأن ذلك يقتضي المشاركةَ والمشابهةَ ، وتنزه الإلهية عن ذلك فأنكر تعالى بذكر ما ادعوه كل ما اقتضى مشابهةً ما ، وإنما قال:
(لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) لأنه لما كانت الإشارة على ثلاثة
أضرب: عن مالك الضر والنفع بوجه ، ومالك لبعض ذلك بتمليك كالإنسان ، ومالك لهما لا تمليك وهو الله تعالى صار مالكاً ، لذلك بالتمليك في الحكم من لا يملك من هذا الوجه.
قال المسلمون: لا يملك أحدٌ شيئاً غيرُ الله ، وقالوا:
الأشياءُ في يد الناس عاريةٌ مستردة. وأما تقديم الضر على النفع ؛ فلأن الإنسان يخدم غيره إما لدفع الضرر أو لجر النفع ، والناس يراعون دفع الضرر قبل جر النفع ، ولذلك كان الاحتراز من المَضَارةِ كلها واجباً وليس طلب المنافع كلها واجباً ، فلذلك قدم هاهنا الضرر.