{وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} :
أَي والله أَعلم بما كتموه من الكفر، وبما أضمروه من الحرص الشديد على عداوة المسلمين وبغضهم، والجد في المكر بهم، وتدبير الكيد لهم، وإِلحاق أَبلغ الضرر بهم.
وفيه من الوعيد الشديد لهم - بأشد أَنواع العقاب - ما لا يخفى. وفي هذا الموقف النفاقي، قال تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .
62 - {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ. . .} الآية.
هذا خطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكل من تتوافر له وسائل الإبصار أَو العلم بأحوالهم، بيّن الله تعالى فيه، حال كثير من هؤُلاء اليهود المنافقين. وهبوطهم الإنساني.
أَي وترى يا محمد، كثيرا من هؤُلاءِ اليهود مسارعين إِلى ارتكاب الإِثم - أَي الكذب أو ارتكاب جميع المعاصي والمحرمات، وبخاصة نوعين من أَشد المحرمات قبحًا. هما:
العدوان ... وأكْل السحت.
أما العدوان: فهو مجاوزة الحد في الظلم. ومصدره الأنانية الكافرة.
وأما السحت: فهو أكل الحرام. وأَظهرهُ الربا وأَخذ الرشوة. ومصدره الأثرة الفاجرة.
وخُصَّا بالذكر - بعد دخولهما في جميع المعاصي - للمبالغة في إِظهار قبحهما. وخطورتهما على المجتمع البشري.
{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} :
أي: إِن استمرارهم على ارتكاب تلك المعاصي زاد أَعمالهم قبحًا، وزادهم أَهلية للذم والتوبيخ. قال تعالى: (وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ) : ولم يقل وتراهم؛ لأَن قليلًا منهم كانت فيهم إنسانية فيستحيون، فيتركون المعاصي.
وأَكثر ما يستعمل لفظ المسارعة، في الخير. قال تعالى: {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ... } وقال تعالى: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ... } فاستعماله هنا، يدل على أَنهم كانوا يرتكبون المعاصي - وكأَنهم على حق فيما يفعلون. كما أَفاد التعبير بلفظ (في) ، دون (إلى) أَنهم كانوا حريصين أشد الحرص على إِتيان المحرمات.
إذ المعنى: أَنهم مستقرون في المعاصي، منغمسون فيها.