إغضائهم عما كان مستشريا في اليهود من أخلاق سيئة واستحلال مال الغير والعدوان عليه. فاقتضت الحكمة أن يغمزوا هذه الغمزة كأنه أريد أن يقال لهم إنه كان الأولى بهم والواجب عليهم أن ينهوا عامة بني ملتهم عن قول الإثم وأكل السحت. ولكنهم لم يفعلوا هذا أيضا. ولقد أشارت آيات أخرى إلى ضلع الأحبار والربانيين في مواقف العناد والدس والكيد والصد بصراحة. وهكذا تؤيد الإشارات القرآنية بعضها بعضا. بل ولعل من الصواب أن يقال إن موقف عامة اليهود متأثر بموقف هؤلاء الرؤساء. ومن أجل ذلك استحقوا ما احتوته آيات القرآن من التنديد والتقريع بصورة عامة.
ومهما تكن الآيات في صدد اليهود فإنّ فيها تلقينا مستمر المدى للمسلمين من حيث تقبيح استشراء الإثم والعدوان وأكل المال الحرام بين الناس. وتقبيح سكوت الرؤساء الدينيين خاصة عن ذلك وعدم نهيهم عنه.
[سورة المائدة (5) : آية 64]
(وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ...(64)
(1) مغلولة: مقيدة. والكلمة كناية عن البخل والإمساك.
تعليق على الآية وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وما فيها من صور وتلقين
عبارة الآية واضحة. وقد تضمنت:
(1) حكاية لقول اليهود يد الله مغلولة سبحانه وتعالى.
(2) وردا عنيفا عليهم: فهم المغلولة أيديهم الملعونون بما قالوا. وإن يديه لمبسوطتان ينفق كيف يشاء على من يشاء.
(3) وتقريرا لما يحدثه فيهم ما ينزل الله على نبيه من آيات حيث يزيدهم كفرا وطغيانا وغيظا وسعيا في الأرض فسادا.
(4) وتقريرا لما جازاهم الله وقابلهم على ذلك حيث ألقى بينهم العداوة والبغضاء وأطفأ نار الحرب كلما أوقدوها وأحبط كل كيد ومكر لهم. والله لا يحب المفسدين أمثالهم.
ولقد روى المفسرون أن الآية نزلت في يهودي اسمه فنحاص قال إن يد الله مغلولة بقصد الشكوى من ضيق حالة اليهود الاقتصادية بعد أن كانوا في بحبوحة وسعة.