وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ اللهَ أَبْطَلَ كُلَّ مَا كَادَهُ أُولَئِكَ الْأَقْوَامُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْعَرَبِ وَالْإِسْلَامِ ، وَإِنَّ الْعَرَبَ لَمَّا اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهَا ، وَصَلُحَتْ حَالُهَا بِالْإِسْلَامِ أَصْلَحُوا بَيْنَ النَّاسِ ، وَعَمَّرُوا الْأَرْضَ فِي كُلِّ بِلَادٍ كَانَ لَهُمْ فِيهَا سُلْطَانٌ ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَكَانُوا مُفْسِدِينَ بِالظُّلْمِ ، وَمُخَرِّبِينَ لِلْبِلَادِ . فَالْإِسْلَامُ يَأْمُرُ بِالصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ ، وَهُوَ مَا يُحِبُّهُ اللهُ تَعَالَى ، فَلَمَّا قَامَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ حَقَّ الْقِيَامِ ، أَيَّدَهُمْ وَنَصَرَهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنَ الْأَقْوَامِ ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ مَا أُنْزِلَتْ إِلَّا لِهِدَايَةِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ ؛ وَإِنَّمَا كَانَ أَهْلُهَا مُفْسِدِينَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ ; لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا هِدَايَتَهُمَا ، كَمَا هُوَ شَأْنُ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْعَصْرِ ، تَرَكُوا هِدَايَةَ الْقُرْآنِ ، وَأَعْرَضُوا عَمَّا أَرْشَدَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ ، فَزَالَ مُلْكُهُمْ ، وَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ ، وَقِسْ جَزَاءَ
الْآخِرَةِ عَلَى جَزَاءِ الدُّنْيَا ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُرَتَّبٌ بِحَسَبَ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى صَلَاحِ النُّفُوسِ ، وَالْإِصْلَاحِ فِي الْأَعْمَالِ ، وَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ ، قَالَ: