أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (غُلَّتَ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) فَهُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ ، يُنَاسِبُ جُرْمَهُمْ هَذَا ، وَجَزَاءٌ لَهُمْ بِالطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَعِنَايَتِهِ الْخَاصَّةِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، قَدْ جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ ; لِأَنَّهُ مِمَّا تَسْتَشْرِفُ لَهُ النُّفُوسُ ، وَتَتَسَاءَلُ عَنْهُ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَعْنَى"غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ": أَمْسَكَتْ أَيْدِيهِمْ وَانْقَبَضَتْ عَنِ الْعَطَاءِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ ، وَهُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِالْبُخْلِ ، وَمَا زَالُوا أَبْخَلَ الْأُمَمِ ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَبْذُلُ شَيْئًا إِلَّا إِذَا كَانَ يَرَى أَنَّ لَهُ مِنْ وَرَائِهِ رِبْحًا ، وَقَدْ حَسُنَتْ أَحْوَالُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَارْتَقَتْ مَعَارِفُهُمْ وَحَضَارَتُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ ، وَتَرَبَّوْا فِي أُمَمٍ مِنَ الْإِفْرِنْجِ ، صَارَ مِنْ تَقَالِيدِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ بَذْلُ الْمَالِ لِمَعَاهِدِ الْعِلْمِ وَالْمَلَاجِئِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ وَالْجَمْعِيَّاتِ الْخَيْرِيَّةِ ، وَهُمْ عَلَى كَوْنِهِمْ أَغْنَى هَذِهِ الْأُمَمِ وَمُضْطَرُّونَ لِمُجَارَاتِهَا لَا يَبْذُلُونَ إِلَّا دُونَ مَا يَبْذُلُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْإِعَانَاتِ الْخَيْرِيَّةِ ، بَلْ هُمْ عَلَى شِدَّةِ تَكَافُلِهِمْ وَاسْتِمْسَاكِهِمْ بِالْعَصَبِيَّةِ الْمِلِّيَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، قَلَّمَا يُسَاعِدُ أَغْنِيَاؤُهُمْ فُقَرَاءَهُمْ بِالصَّدَقَةِ الْخَالِصَةِ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى وَحُبًّا فِي الْخَيْرِ ، بَلْ يَتَّجِرُونَ وَيُرَابُونَ بِالْإِعَانَاتِ ; فَيُعْطُونَ الْفُقَرَاءَ مَالًا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي