والجواب عن الجواب الثاني أن الاسم إذا ثني لا يؤدي في كلام العرب إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجمع ولا يؤدي عن الجنس، فثبت أن اليد صفة لله تعالى تليق بجلاله وأنها ليست بجارحة كما قالت المجسمة واليهود، ولا بنعمة وقدرة كما قالت المعتزلة.
ولما قالت اليهود ذلك أجاب سبحانه عليهم بقوله: (غلت أيديهم) هذا دعاء عليهم بالبخل، فيكون الجواب عليهم مطابقاً لما أرادوه بقولهم يد الله مغلولة، ويجوز أن يراد غل أيديهم حقيقة بالأسر في الدنيا أو العذاب في الآخرة.
ويقوي المعنى الأول أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس فلا ترى يهودياً وإن كان ماله غاية الكثرة إلا وهو من أبخل خلق الله، وقيل المجاز أوفق بالمقام لمطابقة ما قبله.
عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس أن ربك بخيل لا ينفق فأنزل الله هذه الآية، وعنه أنها نزلت في فنحاص اليهودي، وعن عكرمة نحوه، والمعنى: أمسكت أيديهم عن كل خير، قال الزجاج: رد الله عليهم فقال أنا الجواد الكريم وهم البخلاء وأيديهم هي الممسكة.
(ولعنوا بما قالوا) الباء سببية أي: أبعدوا من رحمة الله بسبب قولهم هذا فمن لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة وخنازير، وضربت عليهم الذلة والمسكنة والجزية، وفي الآخرة لهم عذاب النار.
ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله: (بل يداه مبسوطتان) أي: بل هو في غاية ما يكون من الجود، وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الرد عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد الواحدة لإفادة الكثرة إذ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه.
وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدرة يقتضيها المقام أي كلا ليس الأمر كذلك بل يداه مبسوطتان يعني: هو جواد كريم على سبيل الكمال، وحكى الأخفش عن ابن مسعود أنه قرأ بل يداه بسيطتان أي: منطلقتان.