يريد ليس لك به قوة، ألا ترى أنه لا مذهب للجارحة ولا للنعمة هنا، وعلى هذا ما ذكره سيبويه من قولهم: (لا يدينِ بها لك) ، ومعنى هذه التثنية: المبالغة في نفي الاقتدار والقوة على الشيء ، وليس المراد بالتثنية الاثنين الناقص عن الثلاثة، إنما هو الكثرة، ويستعمل بمعنى الملك،
يقال: هذه الضيعة في يد فلان، أي في ملكه، قال الله تعالى: {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] ، ويستعمل بمعنى التولي للشيء وتحقيق إضافة الفعل، كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] أي لما توليت خلقه تخصيصًا لآدم وتشريفًا بهذا، وإن كان جميع المخلوقات هو خالقها لا غير، ويقال: يدي لك رهن بالوفاء، إذا ضمنت له شيئًا، وكأن معنى هذا اجتهادي وطاقتي، ويستعمل أيضًا حيث يراد النصرة، وذلك فيما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"وهم يد على من سواهم"أي نصرتهم واحدة وكلمتهم مجتمعة على من شق عصاهم.
وكذلك قوله عليه السلام:"أنا وبنو المطلب يدٌ واحدةٌ، لم نفترق في جاهلية ولا إسلام"كأنه أهل نصرة واحدة وكلمة واحدة، وقال أحمد بن يحيى: اليد الجماعة، ومنه الحديث:"وهم يد عَلَى مَنْ سواهم"، وتستعمل اليد للشيء الذي لا يد له تشبيهًا بمن له اليد، قال ابن الأعرابي: يد الدهر: الدهر كله، يقال: لا آتيه يد الدهر، ولد المسند، وكقول ذي الرمة:
أَلاَ طَرَقَت ميٌّ هَيُومًا بِذكرِها ... وأيدي الثُّريا جُنَّحٌ في المَغَاربِ
فقوله:"أيدي الثُّريا"استعارة واتساع، وذلك أن اليد إذا مالتَ نحو الشيء ودنت إليه، دلل على قربها منه، ودَنوِّها نحوه، وإنما أراد قرب الثريا من المغرب لأفولها، فجعل له يدِيًّا جُنَّحًا نحوها، وأصل هذه الاستعارة لثعلبة بن صُعَير في قوله:
ألقت ذُكَاءُ يمِينَهَا في كافِرِ
فجعل للشمس يدًا في المغيب لما أراد أن يصفها بالغروب. ثم للبيد في قوله: حتى إذا ألقت يدًا في كافر.