قوله تعالى: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} قرأ الجمهور:"أنَّ"مفتوحة الهمزة.
وقرأ نعيم بن ميسرة بكسرها.
فأمَّا قراءة الجمهور فتحتمل"أنَّ"فيها أن تكون في محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، فالرفع من وجه واحد ، وهو أن تكون مبتدأ ، والخبر محذوف.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ:"والخبر محذوف ، أي: فسقكم ثابت معلوم عندكم ؛ لأنكم علمتم أنَّا على الحق ، وأنْتُمْ على الباطل ، إلا أن حب الرئاسة ، وجمع الأموال لا يدعكم فتنصفوا".
فقدر الخبر متأخراً.
قال أبُو حيَّان: ولا ينبغي أن يُقَّدَرَ الخبر إلا مقدماً ؛ لأنه لا يبتدأ بـ"أن"على الأصح إلا بعد"أمَّا"انتهى.
ويمكن أن يقال: يُغْتَفَرُ في الأمور التقديرية ما لا يغتفر في اللفظية ، لا سيما أنَّ هذا جارٍ مجرى تفسير المعنى ، والمراد إظهار ذلك الخبر [كيف] يُنْطَقُ به ؛ إذْ يقال: إنه يرى جواز الابتداء بـ"أنَّ"مطلقاً ، فحصل في تقدير الخبر وجهان بالنسبة إلى التقديم والتأخير.
وأمَّا النَّصْبُ فمن ستَّةِ أوجه:
أحدها: أن يُعْطَفَ على"أن آمنَّا"واستشكل هذا التخريج من حيث إنه يصير التقدير: هل تكرهون إلا إيماننا ، وفسق أكثركم ، وهم لا يعترفون بأن أكثرهم فاسقون حتى يكرهونه.
وأجاب الزمخشري وغيره عن ذلك بأن المعنى:"وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا ، وبين تمرُّدكم ، وخروجكم عن الإيمان ، كَأنَّه قِيلَ: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حَيْثُ دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه".
ونقل الواحدي عن بعضهم أن ذلك من باب المُقَابَلَة والازدواج ، يعني أنه لما نقم اليهود عليهم الإيمان بجميع الرسل ، وهو مما لا يُنْقَمُ ذَكَرَ في مُقَابلته فسقَهُمْ ، وهو مما يُنْقَم ، ومثل ذلك حَسًنٌ في الازدواج ، يقول القائل:"هل تنقم مني إلا أن عفوت عنك ، وأنَّكَ فاجر"فيحسن ذلك لإتمام المعنى بالمقابلة.