ولا يقتصر هذا الصِّراع بين الأديان فقط ، بل بين كل مبدأين أو مذهبين متعارضين. فهذا في العصر الحديث الصِّراعُ الذي كان محتدمًا بين الاشتراكيّة والرأس ماليّة ، ولم يزل. وهذا الصراع بين الديمقراطيّة والدكتاتوريّة وأنظمة الحكم الأخرى. بل هذا الصِّراع في الأنظمة الديمقراطية بين الأحزاب المختلفة.
إن اعتقاد المرء أنه على حقّ في مسألةٍ ما ، وأن من خالفه على باطل ، واعتقادَ المخالِف في نفسه أنه هو الذي على الحق ، لا بُدَّ أن يُحدث بين الاثنين تفاصُلًا وعدمَ التقاء ، بقدر أهميّة المسألة المختَلفِ فيها. ولن يزول هذا التَّفَاصُل إلا بهلاك المختلفَيْنِ ، أو أحدهما ، أو بأن يتابع أحدهما الآخر ويترك ما كان عليه.
لذلك كان مُعْتَقَدُ الولاء والبراء في الإسلام مرتبطًا بوجود الإسلام ، فما دام في الأرض مسلمٌ موحِّد ، وفي الأرض كافر أو مشرك فلا بُدَّ من أن يكون هناك ولاءٌ وبراء ، لا من قبل المسلم وَحْدَهُ ، بل من قِبَل مُخالِفِه أيضًا.
ولمّا كان الإسلام دينَ الله تعالى ، وما سواه أديانًا باطلةً ، ولمّا كان الإسلامُ دينًا تشملُ أحكامُه شؤونَ الحياة الدنيا والآخرة جميعَهما ، ويحتكمُ إليه المسلم في كل معتقداته القلبيّة وأقواله وأفعاله ، وهو مرجعه في تحديد طبيعة علاقاته الفرديّة والاجتماعية مع المسلمين وغير المسلمين كان لا بُدَّ أن تكون لعقيدة الولاء والبراء فيه مكانةٌ عظمى ، بل هي مكانةٌ مرتبطةٌ بأصل الإيمان ، فلا بقاء للإيمان بغير ولاء وبراء ، وذهاب الولاء والبراء يعني ذهاب الإيمان كله رأسًا.