نعم إنه فضل من الله ؛ لأنهم ما داموا يحبهم الله ويحبون الله وهم أذلة على المؤمنين وأعزة على الكافرين فقد جعلهم سبحانه حملة لواء منهجه لتكون كلمة الله هي العليا . وذلك تفضل من الله . ولنعلم أن الخير لا يعود منا على الله ؛ لأنه سبحانه هو واهب كل خير ، ولم يأت لنا الخير من بعد خلقنا ، ولكن نحن الذين طرأنا على الخير ، نحن طرأنا على الأرض ، وعلى السماء بما فيهما من كل كنوز الخير ، ففي الأرض العناصر والمعادن والقوت ، وفي السماء الشمس والقمر والنجوم ، وكل ذلك فضل الخالق على المخلوق .
إن فضل الله يؤتيه سبحانه وتعالى من يشاء وتتسع قدرته لكل مطلوب ؛ لذلك لا يمن المؤمن على الله بإيمانه ، فليس عند الله أزمة في الذين يؤمنون به ، وهو قادر على أن يأتي بقوم يحملون دعوته ، فإذا ما ارتفعت رأس الباطل فهذا دليل على أن قطافها قد حان ؛ لأن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض .
فكأن الله حين يندب المؤمنين لمهمة إيمانية فلا يقال: إن المؤمنين إنما يفعلون ذلك لمصلحة ربهم . لا ، ولكن ذلك فضل من الله على المؤمنين حين يختارهم لمهمة حمل البلاغ عن الله ، ويعود الخير إلى المؤمنين ثمرة مضاعفة . إذن فحين يكون اختيار الله للمؤمن لمهمة إيمانية فهذا فضل من الله على المؤمن . ونعرف أن الفضل هو الأمر الزائد عن العدل فالحق سبحانه وتعالى قد قال: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] .
وكل تكليف من الحق للخلق هو فضل من الله ؛ لأنك إن نظرت إلى كل تكليف من الحق للخلق لوجدت أن التكليف إنما يعود لصالح الخلق وما دامت الفائدة من التكليف تعود إلى الخلق فليس من المطلوب إذن أن يثاب الخلق المؤمنون المكلفون ، لكن الله يأبى أن يكلف خلقه بتكاليف ويذهبون إلى هذه التكاليف بطاعة ومحبة دون أن يجازيهم على ذلك بحسن الثواب .