إن العصر الذي عاش فيه سيدنا إبراهيم قد تم تحديده بالسنوات من سنة 1800 قبل الميلاد إلى 1850 سنة قبل الميلاد أي بفارق حسابي بسيط لا يزيد على خمسين سنة). فإذا كان الطوفان قد حدث قبل ثلاثة قرون من وجود سيدنا إبراهيم كما يقرر ذلك سفر التكوين عند ذكره للأنساب ينتج عن ذلك أن الطوفان قد حدث في القرن الحادي والعشرين أو القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد. ولكن في ذلك العصر وقبل ذلك العصر وبعد ذلك العصر في حياة متصلة الحلقات عاشت حضارات بشرية ظلت آثار حياتها موجودة على سطح الأرض كما تؤكد ذلك الدراسات العلمية التاريخية الحديثة.
وحتى لا يكون هذا الزعم الذي نزعمه جزافيًا نجد أن في هذه الفترة في إقليم مثل إقليم مصر على سبيل المثال لا الحصر أن القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد هو تاريخ الفترة الوسطى الأولى الذي سبق مباشرة تاريخ الأسرة الحادية عشرة في التاريخ المصري القديم. ونجد أن أسرة (أور) الثالثة كانت موجودة على أرض (بابل) . ومن المعروف جيدًا أن حياة الناس لم تتوقف في هذه الأجزاء من العالم القديم ولم يحدث إعدام وتدمير لكافة مظاهر الحياة والبشر انعدمت فيه الحياة البشرية برمتها كما تقول التوراة.
خامسًا: نتيجة مؤسفة:
ونحن لا نستطيع بناء على الروايات الثلاث التي تقدمها لنا التوراة عن قصة الطوفان أن نعتبر أن هذه الروايات يمكن أن تمدنا بمعلومات يمكن وصفها بأنها أحداث تتفق مع الحقيقة. ونحن مضطرون أن نعترف -لو شئنا أن تكلم بموضوعية- أن النصوص التوراتية التي وصلت إلينا لا تمثل تعبيرًا عن الحقائق. ومن الضروري أن نسأل أنفسنا ما إذا كان من الممكن أن يكون الله قد أنزل كلاما بالكتاب المقدس مناقضًا للحقيقة مخالفًا لها.
إن من العسير أن نتقبل فكرة أن الله قد أعلم الإنسان أفكارًا وآراء لم تكن خرافية فقط، ولكنها متناقضة بعضها مع بعض ومناقضة لحقائق العلم أيضًا ومن الطبيعي أن نصل إلى ضرورة افتراض حدوث عمليات تحريف قد حدثت من جانب الناس، ونشأت عن مأثورات بشرية، وخبرات بشرية، وأقوال بشرية مرت من جيل إلى جيل في تواتر شفهي، أو من تنتقل نص مكتوب لهذا التراث الديني الذي كان قد سبقه كتابته على نحو آخر.