وقصة القود في إيجاز هي - كما رواها الامام أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنه - أن طائفتين من اليهود هما بنو النضير وبنو قريظة كانتا قد تحاربتا في الجاهلية ، فقهرت بنو النَّضير بني قريظة ، فكانت النَّضير وهي العزيزة إذا قتلت أحداً من بني قُريظة وهي الذَّليلة لم يُقِيدوهم أي لم يعطوهم القاتل ليقتلوه بقتيلهم . إنما يعطونهم الديَّة . وكانت قُريظة إذا قَتَلت أحداً من بني النَّضير لم يرضُوا منهم إلا بالقود . فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تحاكموا إليه في هذا الأمر فحَكَم بالتَّسوية بينهم ، فسَاءَهم ذلك ولم يقبلوا . وأي قصة منها هي مؤكِّدة للمعنى .
ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً} والفتنة هي التعذيب بالنار ، وسبحانه يقول: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13]
والفتنة أيضاً هي الابتلاء والاختبار ، ويقال:"فتنت الذهب"أي وضعت الذهب في بوتقة وحوَّلته بالحرارة العالية من جسم صُلب إلى سائل حتى تستخلصه من المواد العالقة الشائبة التي فيه ليصير نقياً . والفتنة في ذاتها ليست مذمومة . ولكن المذموم منها هو النتيجة التي تصل إليها ؛ اينجح الإنسان فيها أم يرسُب ؛ لأن الاختبارات التي يمر بها الإنسان كلها هي فتنة ، والذي ينجح تكون الفتنة بالنسبة إليه طيبة . والذي يرسُب ويفشل فالفتنة بالنسبة إليه سيئة . وعندما يريد الله فتنة بشر أي يرد اختبارهم: أيأتون طوعا واختياراً أم لا؟
وما دام الحق سبحانه وتعالى أعطى للإنسان قدرة الاختيار حتى يُثبت صفة المحبوبية فسبحانه أراد ذلك ، ولا أحد بقادر أن يجعل الإنسان مقهوراً . وقد أراده الله مُختاراً وأن يبتلى وأن يختبر . أينجح أم يرسُب ، أيكون مُؤمناً أم كافراً: