أولئك السماعون للكذب هم سماعون لحساب قوم آخرين لم يأتوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبُّراً . وهؤلاء المتكبرون هم كبار اليهود ، وهم لا يذهبون إلى مجلس رسول الله حتى لا يضعف مركزهم أمام أتباعهم . وعندما يُنقَل إليهم الكلام يحاولون تصويره على الغرض الذي يريدون ، ولذلك يقول عنهم الحق: {يُحَرِّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} . أي أنهم يُحرِّفون الكلام بعد أن استقر في مَواضعه ويستخرجونه منها فيهملونه ويزيلونه عن مواضعه بعد ان وضعه الله فيها وذلك بتغيير أحكام الله ، وقال الحق فيها أيضاً من قبل ذلك: {يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ} [المائدة: 13]
أي أنهم حَرَّفُوا الكلام قبل أن يستقر . {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ} وهم الذين يقولون لأتباعهم من جواسيس الاستماع إلى مجلس رسول الله: {إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا} . فكأنهم أقبلوا على النبي بهذا ، فإن أخذوا من رسول الله معنى يستطيعون تحريفه فعلوا . وإن لم يجدوا ما يحرفونه فعليهم الحذر .
ومن دراسة تاريخ القوانين الوضعية نعرف معنى السلطة الزمنية . فالقوانين التي تواضع عليها بشر ليحكموا بها نظام الحياة تأخرت في الظهور إلى الواقع عن نظام الكهنة ، فقد كان الكهنة يَدَّعُون أن لهم صلة بالسماء ولذلك كان الحكم لهم ، أي أن التقنين في الأصل هو حكم السماء والذي جعل الناس تتجه إلى وضع قوانين خاصة بهم أنهم جربوا الكهنة فوجدوهم يحكمون في قضية ما حُكْماً . وفي القضية المشابهة يحكمون حُكْماً آخر .
لقد كان كلام الكهنة مقبولا عندما ادعوا لأنفسهم الانتساب إلى أحكام السماء . لكن عندما تضاربت أحكامهم خرج الناس على أحكام الكهنة ورفضوها لأنفسهم قوانين أخرى .