ثم وجه كتاب الله خطابه إلى الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، آمرا له بالحكم بين اليهود بعضهم مع بعض، وبين النصارى بعضهم مع بعض، إذا جاؤوا إليه طالبين تدخله وحكمه، على أن لا يتأثر حكمه عليهم بأي اعتبار خارج عن مقتضى العدل المجرد والحق الصراح {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} .
وعقب على ذلك بما معناه أنه بعد إقامة الحجة على صدق الدين الحق الذي هو دين الإسلام، ودعوة اليهود والنصارى إلى الدخول فيه، وامتناع من امتنع منهم، وإصراره على الاحتفاظ بيهوديته أو نصرانيته، لم يبق أمام الإسلام بالنسبة للمصرين على ما هم فيه إلا موقف واحد، هو موقف السماح لهم بالبقاء على دينهم والتحاكم إلى كتابهم، فلليهود توراتهم، وللنصارى إنجيلهم، وذلك قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} .
أما الذين أسلموا من المشركين والكتابيين وكافة الأمم والملل فكتابهم الوحيد هو مسك الختام للوحي الإلهي وخاتمة كتبه المنزلة، وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي هو في آن واحد مصدق لما بين يديه، ومهيمن عليه، أي أنه مصدق لما في الكتب السابقة من حقائق إيمانية، وتشريعات سماوية، وتوجيهات إلهية، لكنه حاكم عليها كلها، بمعنى أن ما ينسب إليها إن أثبته وصدقه كان حقا وصدقا، وإن نفاه وكذبه كان زورا وبهتانا، وإن أقر منها تشريعا كان تشريعا للمسلمين كما هو تشريع لمن قبلهم، وإن نسخ منها تشريعا وألغاه اعتبره المسلمون كأن لم يكن.