40 -ثم بين الله سبحانه وتعالى أن عقاب السراق والعفو عن التائبين جاء وفق الحكمة والعدل والرحمة فقال: {أَلَمْ تَعْلَمْ} يا محمَّد أو يا مخاطَب {أَنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي سلطنتهما وتدبيرهما وتصرفهما، يدبر الأمر فيهما بحكمته وعدله ورحمته وفضله، يعني أنَّ الله تعالى مدبر أمر ما في السماوات والأرض ومصرفه، وخالق من فيهما ومالكه، لا يمتنع عليه شيء مما أراده فيهما؛ لأن ذلك كله في ملكه وإليه أمره. ومن حكمته أنّه وضع هذا العقاب لكل من يسرق ما يعد به سارقًا، كما وضع العقاب للمحاربين المفسدين في الأرض، وأنَّه يغفر للتائبين من هؤلاء وهؤلاء، ويرحمهم إذا صدقوا في التوبة وأصلحوا عملهم و {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} تعذيبه من العصاة تربية له، وتأمينًا لعباده من شره وأذاه. {وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} المغفرة له من التائبين برحمته وفضله، ترغيبًا لهم في تزكية أنفسهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء على الكبيرة، وقيل: يعذب من يشاء على معصيته وكفره بالقتل والقطع وغير ذلك في الدنيا، ويغفر لمن يشاء بالتوبة عليه، فينقذه من الهلكة والعذاب، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنَّه في مقابلة قطع السرقة على التوبة.
{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ؛ أي: قادر على تعذيب من أراد تعذيبه من خلقه، وعلى غفران ذنوب من أراد إسعاده وإنقاذه من الهلكة من خلقه؛ لأنَّ الخلق كلهم عبيده، وفي ملكه، فلا يعجزه شيء في تدبير ملكه. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 7/ 243 - 279} ...