فالآيات تتحدث عن صنفين: صنف منافق وقد نهى الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يحزن على مسارعتهم في الكفر. والصنف الثاني وهم اليهود يأّس الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم منهم. وكيف لا ييأس ومن صفاتهم سماعهم للباطل، وقبولهم إياه، وأكلهم الحرام، ومن كان كذلك فأنّى يستجيب لله أم كيف يطهر قلبه. فإذا كان الأمر كذلك وجاء هؤلاء يتحاكمون إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد خيّر الرسول صلّى الله عليه وسلّم بين الحكم وعدمه، وبيّن له أن لا عليه ألّا يحكم بينهم لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليه اتّباع الحق بل ما يوافق أهواءهم، أما إذا حكم بينهم فقد أمره الله أن يحكم بالحق وبالعدل وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل، لأن الله يحبّ أهل العدل والحق. ثمّ أنكر الله عليهم آراءهم الفاسدة ومقاصدهم الزائفة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدا وهو التوراة، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره. مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم، وهو أمر محمد عليه الصلاة والسلام وفي النّهاية فهم لا يقبلون حكم محمد صلّى الله عليه وسلّم ولا حكم التوراة، والحقيقة أنهم ليسوا مؤمنين أصلا. ثمّ تحدّث الله عن كتبه الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن وما هو الموقف الصحيح منها؟ وهو لزوم الاحتكام إليها، وقبول هذا الحكم، ووصف رافض حكم الله في كتبه بالكفر والظلم والفسوق، فبدأ بالكلام عن التوراة التي أنزلها الله على عبده ورسوله موسى بن عمران عليه السلام وأنّ فيها هدى ونورا، وأنّ النّبيين والربانيّين والأحبار يحكمون بها ولا يخرجون عن حكمها ولا يبدّلونها ولا يحرّفونها؛ قياما منهم بحقّ ما استودعوه من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به، وأن يشهدوا الحق فيه، وألا يخافوا أحدا إلا الله، وألا يشتروا بالحق الدنيا.