أي: من استحل قتل نفس، يحتمل وجوهًا:
يحتمل قوله - تعالى -: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) أي: من استحل قتل نفس حَرَّمَ اللَّه قتلها بغير حق، فكأنما استحل قتل الناس جميعًا؛ لأنه يكفر باستحلاله قتل نفس محرم قتلها، فكان كاستحلال قتل الناس جميعًا؛ لأن من كفر بآية من كتاب اللَّه يصير كافرًا بالكل؛ فعلى ذلك الأول، إذا استحل قتل نفس محرمة يصير كأنه استحل قتل الأنفس كلها.
ويحتمل: أن يكون هذا في أول قتيل قتل لم يكن قبل ذلك أحد، فلما قتل هذا قتيلا جعل الناس يقتلون بعد ذلك بعضهم بعضًا، وكان ذلك منه سنة استن الناس به؛ فهو كما روي في الخبر أن:"مَنْ سَنَّ سُنَّة سَيئةً فَلَهُ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ وِزْرِهِم شَيئًا"؛ فيشترك هذا القاتل في وزر كل قتيل قتل إلى يوم القيامة بغير حق.
وتحتمل الآية وجهًا آخر، وهو ما قيل: إنه يجب عليه من القتل مثل ما أنه لو قتل الناس جميعًا، ومن أحياها أعطاه من الأجر مثل ما لو أنه أحيا الناس جميعًا، إذا أحياها فلم يقتلها وعفا عنها.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: من أجل ابن آدم حين قتل أخاه كتبنا على بني إسرائيل: (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ) بلا نفس وجب عليها القصاص (أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ) يقول: الشرك في الأرض، (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) يقول: يعذب عليها؛ كما أنه لو قتل الناس جميعًا لهم، وهو مثل الأول.
وعن عبد اللَّه بن عمرو قرأ: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ...) الآية قال:"لم يكن يؤخذ في بني إسرائيل أرش، إنما كان قصاصا بقصاص"يقول: من قتل نفسا، أو أفسد في الأرض جزاؤه كانما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فعلى نحو ذلك.