فَإِنْ قَالَ: فَإِذَا كَانَ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ مَعْصِيَةٌ , فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ مِنْهُ الْمَقْتُولُ وَيَقُولُ: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي} وَقَدْ ذَكَرْتَ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِ قَتْلِي؟ فَمَعْنَاهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِ قَتْلِي إِنْ قَتَلْتَنِي لِأَنِّي لَا أَقَتُلُكَ , فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْتَنِي فَإِنِّي مَرِيدٌ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِ مَعْصِيَتِكَ اللَّهَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ. وَهُوَ إِذَا قَتَلَهُ , فَهُوَ لَا مَحَالَةَ بَاءَ بِهِ فِي حُكْمِ اللَّهِ , فَإِرَادَتُهُ ذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُ الدُّخُولَ فِي الْخَطَأِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}
يَقُولُ:"فَتَكُونَ بِقَتْلِكَ إِيَّايَ مِنْ سُكَّانِ الْجَحِيمِ , وَوَقُودِ النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} "
يَقُولُ:"وَالنَّارُ ثَوَابُ التَّارِكِينَ طَرِيقَ الْحَقِّ الزَّائِلِينَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ , الْمُتَعَدِّينِ مَا جُعِلَ لَهُمْ إِلَى مَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُمْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ أَمَرَ وَنَهَى آدَمَ بَعْدَ أَنْ أَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ , وَوَعَدَ وَأَوْعَدَ , وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَالَ الْمَقْتُولُ لِلْقَاتِلِ: فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ بِقَتْلِكَ إِيَّايَ , وَلَا أَخْبَرَهُ أَنَّ ذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: عَلَقَتْ إِحْدَى رِجْلَيِ الْقَاتِلِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذِهَا مِنْ يَوْمَئِذِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَوَجْهُهُ فِي الشَّمْسِ حَيْثُمَا دَارَتْ دَارَ , عَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِنْ نَارٍ وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاءِ حَظِيرَةٌ مِنْ ثَلْجِ."
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: «إِنَّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ الْقَاتِلَ يُقَاسِمُ أَهْلَ النَّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةَ الْعَذَابَ , عَلَيْهِ شَطْرُ عَذَابِهِمْ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا , ذَلِكَ بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ»