وقيل إن الخطاب ها هنا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو عدول عن الظاهر لغير موجب ، والصواب ما ذهب إليه جمهور المفسرين ، من أنه من كلام موسى لقومه ، وخاطبهم بهذا الخطاب توطئة وتمهيداً لما بعده من أمره لهم بدخول الأرض المقدّسة.
وقد اختلف في تعيينها ؛ فقال قتادة: هي الشام ، وقال مجاهد: الطور وما حوله ، وقال ابن عباس والسدّي وغيرهما: أريحاء ، وقال الزجاج: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.
وقول قتادة يجمع هذه الأقوال المذكورة بعده.
والمقدسة: المطهرة ، وقيل المباركة: {الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي: قسمها وقدّرها لهم في سابق علمه ، وجعلها مسكناً لكم {وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم} أي: لا ترجعوا عن أمري وتتركوا طاعتي ، وما أوجبته عليكم من قتال الجبارين ، جبناً وفشلا {فَتَنقَلِبُواْ} بسبب ذلك {خاسرين} لخير الدنيا والآخرة.
{قَالُواْ يا موسى إِن} قال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي ، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد ، وأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه ، فإنه يجبر غيره على ما يريده ، يقال أجبره: إذا أكرهه ؛ وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم ، فأصل الجبار على هذا المصلح لأمر نفسه ، ثم استعمل في كل من جرّ إلى نفسه نفعاً بحق أو باطل ، وقيل: إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه.
قال الفراء: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين ، جبار من أجبر ، ودراك من أدرك.
والمراد هنا: أنهم قوم عظام الأجسام طوال متعاظمون ؛ قيل هم قوم من بقية قوم عاد ؛ وقيل هم من ولد عيص بن إسحاق ؛ وقيل هم من الروم: ويقال إن منهم عوج بن عنق المشهور بالطول المفرط ، وعنق هي بنت آدم ، قيل كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع.