(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) أَيْ لَمْ تَنْفَعْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَوْعِظَةُ الرَّجُلَيْنِ ، بَلْ أَصَرُّوا عَلَى التَّمَرُّدِ وَالْعِصْيَانِ ، وَأَكَّدُوا لِمُوسَى بِالْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ تِلْكَ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا الْجَبَّارُونَ أَبَدًا - أَيْ مُدَّةَ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ - مَا دَامُوا فِيهَا ; لِأَنَّ دُخُولَهَا يَسْتَلْزِمُ الْقِتَالَ وَالْحَرْبَ ، وَلَيْسُوا لِذَلِكَ بِأَهْلٍ ، وَقَالُوا لِمُوسَى مَا مَعْنَاهُ: إِنْ كُنْتَ أَخْرَجْتَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِأَمْرِ رَبِّكَ ; لِنَسْكُنَ هَذِهِ الْأَرْضَ الَّتِي وَعَدَ بِهَا آبَاءَنَا ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقِتَالِ وَأَنَّنَا لَا نُقَاتِلُ ، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ الَّذِي أَمَرَكَ بِذَلِكَ ، فَقَاتِلَا الْجَبَّارِينَ ، وَاسْتَأْصِلَا شَأْفَتَهُمْ ، أَوِ اهْزِمَاهُمْ وَأَخْرِجَاهُمْ مِنْهَا ، إِنَّا هَاهُنَا مُنْتَظِرُونَ وَمُتَوَقِّفُونَ ، أَوْ قَاعِدُونَ عَنِ الْقِتَالِ ، أَوْ غَيْرُ مُقَاتِلِينَ ، فَقَدِ اسْتُعْمِلَ هَذَا اللَّفْظُ فِي هَذَا الْمَعْنَى ; كَقَوْلِهِ تَعَالى: (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ 9: 46) وَقَوْلِهِ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ) (4: 95) الْآيَةَ . وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ حَمْلَ هَذَا الْقَوْلِ السَّمِجِ الْخَارِجِ مِنْ حُدُودِ الْآدَابِ عَلَى مَعْنًى مَجَازِيٍّ يَلِيقُ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ ; كَكَوْنِ الْمُرَادِ بِذَهَابِ الرَّبِّ إِعَانَتَهُ وَنَصْرَهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا حَاجَةَ إِلَى مِثْلِ هَذَا مَعَ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ