واعلم أن من الناس من يظن أن هذا البحث واقع فِي المعنى ، وهذا فِي غاية البعد ، فإنه لا نزاع فِي أن الله تعالى موجود وذات وحقيقة ، إنما النزاع فِي أنه هل يجوز إطلاق هذا اللفظ عليه ، فهذا نزاع فِي مجرد اللفظ لا فِي المعنى ، ولا يجري بسببه تكفير ولا تفسيق ، فليكن الإنسان عالماً بهذه الدقيقة حتى لا يقع فِي الغلط.
إطلاق لفظ الموجود على الله:
المسألة الثانية:
في بيان أنه هل يجوز إطلاق لفظ الموجود على الله تعالى ؟ اعلم أن هذا البحث يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمة ، وهي أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك على معيين: أحدهما: أن يراد بالوجود الوجدان والإدراك والشعور ، ومتى أريد بالوجود الوجدان والإدراك فقد أريد بالموجود لا محالة المدرك والمشعور به ، والثاني: أن يراد بالوجود الحصول والتحقق فِي نفسه ، واعلم أن بين الأمرين ، فرقاً ، وذلك لأن كونه معلوم الحصول فِي الأعيان يتوقف على كونه حاصلاً فِي نفسه ، ولا ينعكس ، لأن كونه حاصلاً فِي نفسه لا يتوقف على كونه معلوم الحصول فِي الأعيان: لأنه يمتنع فِي العقل كونه حاصلاً فِي نفسه مع أنه لا يكون معلوماً لأحد ، بقي ههنا بحث ، وهو أن لفظ الوجود هل وضع أولاً للإدراك والوجدان ثم نقل ثانياً إلى حصول الشيء فِي نفسه ، أو الأمر فيه بالعكس ، أو وضعا معاً ؟ فنقول: هذا البحث لفظي ، والأقرب هو الأول ، لأنه لولا شعور الإنسان بذلك الشيء لما عرف حصوله فِي نفسه ، فلما كان الأمر كذلك وجب أن يكون وضع اللفظ لمعنى الشعور والإدراك سابقاً على وضعه لحصول الشيء نفسه.