المقدمة الخامسة: فِي بيان أن البشر وإن امتنع فِي عقولهم إدراك تلك الحقيقة المخصوصة فهل يمكن ذلك العرفان فِي حق جنس الملائكة أو فِي حق فرد من أفرادهم ؟ الإنصاف أن هذه المباحث صعبة ، والعقل كالعاجز القاصر فِي الوفاء بها كما ينبغي ، وقال بعضهم: عقول المخلوقات ومعارفهم متناهية ، والحق تعالى غير متناهٍ ، والمتناهي يمتنع وصوله إلى غير المتناهي ولأن أعظم الأشياء هو الله تعالى ، وأعظم العلوم علم الله سبحانه وتعالى ، وأعظم الأشياء لا يمكن معرفته إلا بأعظم العلوم ، فعلى هذا لا يعرف الله إلا الله.
المقدمة السادسة: اعلم أن معرفة الأشياء على نوعين: معرفة عرضية ، ومعرفة ذاتية: أما المعرفة العرضية فكما إذا رأينا بناء علمنا بأنه لا بدّ له من بان ، فأما أن ذلك الباني كيف كان فِي ماهيته ، وأن حقيقته من أي أنواع الماهيات ، فوجود البناء لا يدل عليه ، وأما المعرفة الذاتية فكما إذا عرفنا اللون المعين ببصرنا ، وعرفنا الحرارة بلمسنا ، وعرفنا الصوت بسمعنا ، فإنه لا حقيقة للحرارة والبرودة إلا هذه الكيفية الملموسة ، ولا حقيقة للسواد والبياض إلا هذه الكيفية المرئية ، إذا عرفت هذا فنقول: إنا إذا علمنا احتياج المحدثات إلى محدث وخالق فقد عرفنا الله تعالى معرفة عرضية إنما الذي نفيناه الآن هو المعرفة الذاتية ، فلتكن هذه الدقيقة معلومة حتى لا تقع فِي الغلط.