أباه فِي قوله:
{لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً}
[مريم: 42] فبتقدير أن لا يكون الإله عالماً بكل المعلومات قادراً على جميع المقدورات كان سؤاله سؤالاً لمن لا يسمع ولا يبصر ، وكان داخلاً تحت ما جعله إبراهيم عليه السلام عيباً على أبيه ، وأما علم العبد بحال نفسه فلا بدّ وأن يعلم عجزه وقصوره عن رعاية مصالح نفسه على سبيل التمام ، وأن يعلم أيضاً أنه بتقدير أن يعلم تلك المصالح بحسب الكيفية والكمية لكنه لا يمكنه تحصيلها عند عدمها ولا إبقاؤها عند وجودها ، إذا عرفت هذا فنقول: إنه إذا حصلت هذه العلوم فِي قلب العبد وصار مشاهداً لها متيقناً فيها وجب أن يحصل فِي قلبه تلك الجالة المسماة بالانكسار والخضوع ، وحينئذٍ يحصل فِي قلبه الطلب ، وفي لسانه اللفظ الدال على ذلك الطلب ، وذلك هو قوله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) والذي يدل على كون الإنسان عاجزاً عن تحصيل مصالح نفسه فِي الدنيا والآخرة أن الصادر عن الإنسان إما العمل وإما العلم ، وهو فِي كلا البابين فِي الحقيقة فِي غاية العجز ، أما العلم فما أشد الحاجة فِي تحصيله إلى الاستعاذة بالله ، وفي الاحتراز عن حصول ضده إلى الاستعاذة بالله ويدل عليه وجوه:
الحجة الأولى: أنا كم رأينا من الأكياس المحققين بقوا فِي شبهة واحدة طول عمرهم ، ولم يعرفوا الجواب عنها ، بل أصروا عليها وظنوها علماً يقينياً وبرهاناً جلياً ، ثم بعد انقضاء أعمارهم جاء بعدهم من تنبه لوجه الغلط فيها وأظهر للناس وجه فسادها ، وإذا جاز ذلك على بعض الناس جاز على الكل مثله ، ولولا هذا السبب لما وقع بين أهل العلم اختلاف فِي الأديان والمذاهب ، وإذا كان الأمر كذلك فلولا إعانة الله وفضله وإرشاده وإلا فمن ذا الذي يتخلص بسفينة فكره من أمواج الضلالات ودياجي الظلمات ؟ .