القول الرابع: رأي الإمام عبد الله بن سليمان الجرهزي (تـ1035هـ) ( [14] ) :
فقد ذكر كلام السيوطي وزاد عليه مجموعة زياداتٍ ، ولذا يمكن أن نعد كلامه رأياً رابعاً ، وتتلخص هذه الزيادات فِي التالي ( [15] ) :
1 -بين نوع الإنكار المنفي فِي قولهم (لا ينكر المختلف فيه) ، فالإنكار المنفي إنما هو"باعتبار الإنكار الواجب ، أما المندوب فيندب حتى فِي المختلف فيه برفق"، ومعنى ذلك"أن الإنكار المندوب لا يُنفى عن المختلف فيه بل يثبت لكل منكرٍ أي حرامٍ مجمعٍ على حرمته ، أو مختلفٍ فيه ، فيطلب ويدعى على وجه النصيحة إلى الخروج من الخلاف".
2 -هذا الإنكار المنفي (الإنكار الواجب ، الإنكار باليد) عن المختلف فيه إنما هو لغير المحتسب الذي نصبه الإمام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما المحتسب"فينكر وجوباً ، على أن من أخل بشيء ٍ من الشعائر الظاهرة ولو سنة كصلاة العيد ، والأذان ( [16] ) ، فيلزمه الأمر بهما ..."، وكون الحاكم له حق الإنكار فِي المختلف فيه ذكره صاحب"البحر الزخار"؛ إذ لا يد فوق يده وعموم ولايته ( [17] ) .
ويلحظ مما سبق أن أيّاً من الفقهاءلم يُصرِّح بأن المعيار المعتبر هو النص ، بل حقيقة قولهم أن جعلوا نص المذهب مقدماً على النص الإلهي أو النبوي الصحيح (!) وذلك لا لأن نصوص المذاهب تخالف النص ، بل لأنه قد صار من المعلوم بالضرورة أن نصوص المذاهب ووجوهها وطرقها إنْ هي إلا محاولاتٌ استنباطية للحوادث والمسائل الفقهية من النص ، وإن كان التعبير - عند بعضهم - عن هذه المسألة بـ"الإلزام المذهبي"مع أنه نصٌ فِي النهاية غير سائغٍ من الناحية (المنهجية) الأدبية والعلمية أمام النص ، على أنه يوجد فِي نصوص المذاهب اختلافاتٌ تعبر عنها الوجوه والطرق ، والاختيارات ، تؤول فِي الأخير إلى الاختلاف فِي فهم النص ، فلماذا تعسير الطريق والرجوع إلى نصٍ غير معصومٍ تعددت وجوهه لما فيه من خلاف فِي المذهب الواحد ؟