وإليه ذهب الإمام السيوطي ، فقد قال فِي كتابه الأشباه والنظائر:"لا ينكر المختلف فيه ، وإنما ينكر المجمع عليه ( [10] ) ، وتستثنى صورٌ ينكر فيها المختلف فيه:"
إحداها: أن يكون ذلك المذهب بعيد المأخذ بحيث ينقض ، ومن ثم وجب الحد على المرتهن بوطئه المرهونة ، ولم ينظر لخلاف عطاء.
الثانية: أن يُتَرافَعَ فيه لحاكمٍ فيحكم بعقيدته ، ولهذا يحد الحنفي بشرب النبيذ إذ لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف معتقده.
الثالثة: أن يكون للمنكر فيه حقٌ كالزوج يمنع زوجته من شرب النبيذ إذا كانت تعتقد إباحته وكذلك الذمية على الصحيح" ( [11] ) ."
وضعف المأخذ هو ما ارتضاه العز بن عبد السلام معياراً للإنكار فِي المختلف فيه ( [12] ) .
وذهب إلى شيء ٍ قريبٍ من هذا الإمام القرافي ، فإنه مال إلى اعتبار مذهب المحتسب عليه هو معيار الإنكار"إلا أن يكون مدرك القول بالتحليل ضعيفاً جداً ينقض قضاء القاضي بمثله لبطلانه فِي الشرع كواطئ الجارية بالإباحة معتقداً لمذهب عطاء ، وشارب النبيذ معتقداً مذهب أبي حنيفة"، وأرشد إلى وجود نوعٍ من المسائل تكون أقل درجة فِي الإنكار من غيرها من الخلافيات فقال:"وإن لم يكن معتقداً تحريماً ، ولا تحليلاً ، والمدارك فِي التحريم والتحليل متقاربة ، أرشد للترك برفق من غير إنكار وتوبيخ ؛ لأنه من باب الورع المندوب ، والأمر بالمندوبات والنهي عن المنكرات هكذا شأنهما الإرشاد من غير توبيخ" ( [13] ) .
وبالنظر إلى الترتيب الزمني للأئمة السابقين ، نلحظ أن قاعدة (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) قد قيدها الماوردي والفراء ، ثم ذكر الغزالي ما يُشبه الإطلاق فيها ، مع أنه قيدها بمسائل الأصول فيتم فيها الإنكار عنده ، ثم عاد القرافي وابن مفلح والسيوطي فقيدوها ، ومنعوا إطلاقها.
كما نلحظ أن السيوطي ذهب إلى أن مذهب أحد الطرفين إن كان بعيداً شرع الإنكار ، وهذا مساوٍ تماماً لما فِي القول الأول من مشروعية الإنكار عند ضعف الخلاف.