ومن ثم لم يكن هناك مجال للباقة، ولا للكياسة، ولا للسياسة، ولا للمهارة، في إخفاء ما يحرج، وتغطية ما يسوء. ولم يكن هناك مجال لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرة! ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها!.
هنا كان الأمر جدا خالصا، لا يحتمل الدهان ولا التمويه! وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله. وأمر هذه الأمة التي تعد لتنهض بهذا المنهج وتنشره. وأمر العدل بين الناس. العدل في هذا المستوى الذي لا يرتفع إليه الناس - بل لا يعرفه الناس - إلا بوحي من الله، وعون من الله.
وينظر الإنسان من هذه القمة السامقة على السفوح الهابطة - في جميع الأمم على مدار الزمان - فيراها هنالك .. هنالك في السفوح. ويرى من تلك القمة السامقة في السفوح الهابطة صخورا متردية، هنا وهناك، من الدهاء، والمراء، والسياسة، والكياسة، والبراعة، والمهارة، ومصلحة الدولة، ومصلحة الوطن، ومصلحة الجماعة .. إلى آخر الأسماء والعنوانات .. فإذا دقق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها .. الدود .. !!.
وينظر الإنسان مرة أخرى فيرى نماذج الأمة المسلمة - وحدها - صاعدة من السفح إلى القمة. تتناثر على مدار التاريخ، وهي تتطلع إلى القمة، التي وجهها إليها المنهج
الفريد. أما العفن الذي يسمونه «العدالة» في أمم الجاهلية الغابرة والحاضرة، فلا يستحق أن نرفع عنه الغطاء، في مثل هذا الجو النظيف الكريم.
كلمة في السياق:
بدأ المقطع بتبيان مراد من مرادات الله في إنزال الكتاب - وهو الحكم - بالحق بين الناس، ثم ثنى بالنهي عن الدفاع عن الخائنين، واستمر المقطع يوضح حيثيات هذا المعنى حتى الآية التي تذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفضل الله عليه، والتذكير بفضل الله - الذي منه إنزال الكتاب والحكمة - مرتبط بموضوعي الحكم بالحق، وعدم الدفاع عن الخائنين. فلا يليق بأحد بعد إنزال الكتاب والحكمة أن يحكم إلا بالحق، كما لا يليق به أن يدافع عن أهل الباطل. وفي الآية الأخيرة تذكير لرسول الله صلى الله عليه وسلم بفضل الله عليه، بإنزال الكتاب والحكمة، وبالعصمة التي خصه بها.