وما محل هذه المعاني في السياق الخاص في مقطعها الذي هو أمر بالحق والعدل، وتوضيح لما يدخل في مفهوم الحق والعدل؟ الذي يبدو: أن الصلة بين هذه الآيات وبين مقطعها، من حيث إن الله مالك السموات والأرض، هو صاحب الحق في توجيه الإنسان إلى الحق، ويجب أن يتقى، ويجب أن ترتفع همة الإنسان للسير في الحق الذي شرعه لنيل رضوانه وجنته. إلا أننا نحب أن ننبه إلى أن الآيات ينبغي أن تفهم على ضوء سياقها الخاص، وارتباط سورتها بالسياق القرآني العام. وعلى هذا فلنتذكر أن ما ذكره الله في هذا المقطع وفي كل مقطع مرتبط بمجمل السورة في السياق القرآني العام، وسورة النساء محورها الأمر بالعبادة والتقوى. فإذا تذكرنا هذا، وتذكرنا الآيات التي هي محل كلامنا، والتي فيها الوصية بالتقوى وطلب الآخرة. أدركنا صلة هذه الآيات وصلة مقطعها القرآني العام.
والآن يستقر سياق المقطع بنداء المؤمنين أن يكونوا قوامين بالعدل، فلا يعدلوا عنه
يمينا ولا شمالا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين، متساعدين، متعاضدين، متناصرين فيه، وأن يؤدوا الشهادة ابتغاء وجه الله فتكون صحيحة عادلة حقا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان، وأمر أن تؤدى شهادة الحق ولو عاد ضررها على صاحبها. فإذا سئلت عن أمر فقل الحق فيه، ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجا ومخرجا من كل أمر يضيق عليه، وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم؛ فإن الحق حاكم على كل أحد، وإن كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا فأد فيه شهادة الحق، لا ترع غنيا لغناه، ولا تشفق على فقير لفقره، فالله يتولى الجميع، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما. ثم نهى أن يحملنا الهوى والعصبية وبغض الناس عن ترك العدل في أي أمر وشأن، ثم أمر بلزوم العدل على أي حال، فإن العدل هو الأقرب للتقوى، التي هي الهدف، ثم هدد من يحرف الشهادة ويغيرها، ويتعمد الكذب، بعلم الله فيه.