ولا دخل للشهادة بثراء الثري أو بفقر الفقير ؛ لأن العبد المؤمن ليس أولى أو أحق برعاية مصالح الناس من خالقهم - جل شأنه - ولذلك جاء بالحيثية الملجمة {فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ} أي أنك أيها العبد لم تخلق أحداً منهما ولكن الله خالق الاثنين وهو أولى بهما فليس لك أن تقيم شهادتك على الثراء أو على الفقر لأنك لست القَيّم على الوجود.
والذي يفسد ويشوش على العدل هو الهوى ، والمثل العربي يقول:"آفة الرأي الهوى". وإياكم أيها المؤمنون واتباع الهوى حتى لا تفسد قدرتكم على العدل وتجنحوا بعيداً عنه. والتاريخ العربي يحتفظ لنا في ذاكرته حكاية رجل فاضل ذهب إلى الخليفة وقال له: أعفني من القضاء! فقال الخليفة: فمن يكون للقضاء إذن وأنت العادل الذي شهد له كل الناس بذلك ؟
فقال القاضي: والله يا أمير المؤمنين لقد عرف الناس عني أني أحب الرُّطب - أي البلح - وبينما أنا في بيتي وإذا بالخادم قد دخل ومعه طبق من رطب وكنا في بواكير الرطب ، ومن الطبيعي أن تكون النفس في لهفة عليه ما دامت تحبه ، ويتابع القاضي حكايته للخليفة: فقلت للخدام من جاء به ؟ فأجاب الخادم: إنه واحد صفته كذا وكذا فتذكرت أن مَن أرسل الرطب هو واحد من المتقاضين أمامي ، فرددت عليه الرطب ، ولما كان يوم الفصل في قضية صاحب الرطب ، دخل الرجل عليّ فعرفته فوالله يا أمير المؤمنين ما استويا في نظري هو وخصمه على الرغم من أني رددت الطبق. وهكذا استقال القاضي العربي المسلم من منصب القضاء.