ثم قال تعالى: الأقربين {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} فأمر سبحانه أن يقام بالقسط ويشهد على كل أحد ولو كان أحب الناس إلى العبد، فيقوم بالقسط على نفسه ووالديه الذين هما اصله وأقاربه الذين هم أخص به والصديق من سائر الناس، فإن كان ما في العبد من محبة لنفسه ولوالديه وأقربيه يمنعه من القيام عليهم بالحق، ولاسيما إذا كان الحق لمن يبغضه ويعاديه قبلهم، فإنه لا يقوم به في هذا الحال إلا من كان الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما، وهذا يمتحن به العبد إيمانه فيعرف منزلة الإيمان من قلبه ومحله منه، وعكس هذا عدل العبد في أعدائه ومن يجفوه، فإنه لا ينبغي أن يحمله بغضه لهم أن يحيف عليهم، كما لا ينبغي أن يحمله حبه لنفسه ووالديه وأقاربه على أن يترك القيام عليهم بالقسط، فلا يدخله ذلك البغض في باطل ولا يقصر به هذا الحب عن الحق. كما قال السلف:"العادل هو الذي إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل، وإذا رضي لم يخرجه رضاه عن الحق".
اشتملت الآيتان على هذين الحكمين: وهما القيام بالقسط والشهادة به على الأولياء والأعداء.
ثم قال تعالى {إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} منكم هو ربهما ومولاهما وهما عبيده، كما أنكم عبيده فلا تحابوا غنياً لغناه، ولا فقيراً لفقره فإن الله أولى بهما منكم.
وقد يقال: فيه معنى آخر أحسن من هذا، وهو أنهم ربما خافوا من القيام بالقسط وأداء الشهادة على الغني والفقير.
أما الغني فخوفاً على ماله، وأما الفقير فلإعدامه وأنه لا شيء له فتتساهل، النفوس في القيام عليه بالحق، فقيل لهم: والله أولى بالغني والفقير منكم، أعلم بهذا وأرحم بهذا، فلا تتركوا أداء الحق والشهادة على غني ولا فقير.
ثم قال تعالى: {لا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} نهاهم عن اتباع الهوى الحامل على ترك العدل. وقوله تعالى {أَنْ تَعْدِلُوا} منصوب الموضع لأنه مفعول لأجله، وتقديره عند البصريين: كراهية أن تعدلوا، أو حذر أن تعدلوا، فيكون اتباعكم للهوى كراهية العدل أو فراراً منه، وعلى قول الكوفيين التقدير. أن لا تعدلوا، وقول البصريين أحسن وأظهر.
ثم قال تعالى: {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} ذكر سبحانه السببين الموجبين لكتمان الحق محذرا منهما ومتوعدا عليهما: