ويرى صاحب الكشاف أن قوله - تعالى - وَإِنْ تَكْفُرُوا عطف على اتقوا، فقد قال:
وقوله: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ عطف على اتقوا. لأن المعنى:
أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض. والمعنى: إن لله الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها، فحقه أن يكون مطاعا في خلقه غير معصى. يتقون عقابه ويرجون ثوابه. ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من الأمم السابقة ووصيناكم أن اتقوا الله. يعني: أنها وصية قديمة ما زال يوصى الله بها عباده، لستم بها مخصوصين: لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة في العاقبة. وقلنا لهم ولكم: وإن تكفروا فإن لله في سماواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويعبده ويتقيه.
وجواب الشرط في قوله «وإن تكفروا محذوف، والتقدير: إن تكفرا بما وصاكم به فلن يضره كفركم فإنه - سبحانه - له ما في السماوات وما في الأرض ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله:
وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً أي: وكان الله وما زال غنيا عن خلقه وعن عبادتهم، مستحقا لأن يحمده الحامدون لكثرة نعمه عليهم فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله.
ثم أكد - سبحانه - هيمنته على هذا الكون وملكيته له فقال: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا.
أي: ولله - تعالى - وحده ما في السماوات وما في الأرض ملكا وتصرفا وإيجادا وإعداما.
وإحياء وإماتة. وكفى بالله - تعالى - وكيلا في تدبير أمور خلقه، وحفظه لمصالحهم.
والوكيل هو القيم والكفيل بالأمر الذي يوكل إليه. وقد ذكر - سبحانه - في هاتين الآيتين ملكيته لما في السماوات وما في الأرض ثلاث مرات، تأكيدا لعظم سلطانه وقدرته وسعة غناه ورحمته، حتى ترسخ في نفوس الناس تقواه وخشيته.
قال القرطبي: فإن قال قائل: ما فائدة هذا التكرار؟ فعنه جوابان:
أحدهما: أنه كرر تأكيدا ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته وأنه غنى عن العالمين.