قال ابن كثير: روى البخاري عن عائشة في قوله - تعالى - وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ .. إلى قوله وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ .. أنها قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها. فأشركته في ماله حتى في العذق. فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها. فنزلت هذه الآية.
وعنها - أيضا أنها قالت: وقول الله - تعالى - وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ رغبة أحدكم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن - أي إذا كن قليلات المال والجمال.
ثم قال ابن كثير: والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزوجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة بمثالها من النساء. وتارة لا يكون له فيها رغبة فنهاه الله - تعالى - عن أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها.
وحذف حرف الجار هنا لا يعد لبسا، بل يعد من باب الإجمال والإيجاز البليغ، لأن الجملة الكريمة صالحة لتقدير كل من الحرفين السابقين على سبيل البدل، بالاعتبارين السابقين. أي باعتبار الرغبة فيهن أو الرغبة عنهن فكأنه - سبحانه - يقول: وترغبون في نكاح بعضهن في حالات معينة وترغبون عن نكاح بعض آخر منهن في حالات أخرى لأن فعل رغب يتعدى بحرف (في) للشيء المحبوب، وبحرف (عن) للشيء غير المحبوب.
قال الآلوسي: واستدل بعض أصحابنا - أي الأحناف - بالآية على جواز تزويج الصغيرة، لأنه ذكر الرغبة في نكاحها فاقتضى جوازه. والشافعية يقولون: إنه إنما ذكر ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم فلا دلالة فيها على ذلك، مع أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها فعله في حال الصغر. وهذا الخلاف في غير الأب والجد، وأما هما فيجوز لهما تزويج الصغيرة بلا خلاف.
وقوله: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ معطوف على يتامى النساء، وقد كانوا في الجاهلية لا يورثونهم كما لا يورثون النساء، فشرع الله لهم الميراث كما هو مبين في آيات المواريث.