قلت: معناه ثم يرم بأحد هذين المذكورين بريئًا، وقيل: معناه ثم يرم بهما، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، وقيل: إنه يعود الضمير إلى الإثم وحده؛ لأنه أقرب مذكور.
وقيل: إن الضمير يعود إلى الكسب، ومعناه: ثم يرم بما كسب بريئًا؛ أي: ومن يكسب خطيئة أو إثمًا، ثم يبرئ نفسه منه، وينسبه إلى شخص بريء منه، ويزعم أنه هو الذي كسبه .. {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} ؛ أي: فقد كلف نفسه يحمل وزر البهتان والكذب العظيم، وحمل وزر الذنب المبين الظاهر بافترائه على البريء، واتهامه إياه؛ أي: فقد أوجب على نفسه عقوبة بهتان عظيم، وعقوبة ذنب بين، فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر، وهو بريء منه،
فصاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله: {بُهْتَانًا} إشارة إلى الذم العظيم في الدنيا، وقوله: {وَإِثْمًا مُبِينًا} إشارة إلى العقاب الشديد في الآخرة، ولما كانت الذنوب لازمة لفاعلها .. كانت كالثقل الذي يحمل، فعبر عنه باحتمل، ومثله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} .
وقد فشا هذا بين المسلمين في هذا الزمان، ولم يكن لهذا من سبب إلا ترك هداية الدين، وقلة الوازع النفسي والغفلة عن الأوامر والنواهي التي جاءت به الشريعة.