فلما نزل القرآن أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسلاح فرده إلى رفاعة.. قال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح - وكان شيخاً قد عمي - أو عشي - في الجاهلية ، وكنت أرى إسلامه مدخولاً ، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هي في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً! فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين ، فأنزل الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصيراً. إن الله لا يغفر أن يشرك به. ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً}
إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة بريء ، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام - وإن كانت تبرئة بريء أمراً هائلاً ثقيل الوزن في ميزان الله - إنما كانت أكبر من ذلك. كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى ، ولا مع العصبية ، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أياً كانت الملابسات والأحوال.
وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد ؛ وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية - في كل صورها حتى في صورة العقيدة ، إذا تعلق الأمر بإقامة العدل بين الناس - وإقامة هذا المجتمع الجديد ، الفريد في تاريخ البشرية ، على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية ، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات!
ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث ، أو عدم التشديد فيه والتنديد به وكشفه هكذا لجميع الأبصار. بل فضحه بين الناس - على هذا النحو العنيف المكشوف..
كان هناك أكثر من سبب ، لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم. ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج!