في الآية دلالة أن اللَّه - تعالى - لم يرد بقوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ...) ، - بَذْلَها للقتل؛ حيث رخص لهم وضع الأسلحة وأخذ الحذر عندما بُلُوا بالمطر والمرض؛ لأنه لو كان المراد بشراء الأنفس منهم بذلها للقتل - لكان لا يرفع ذلك عندما يخافون على أنفسهم من الهلاك؛ إذ الحرض وخوف الهلاك لا يرفع ذلك في الأحوال كلها إذا كان الأمر بذلك أمرًا بالقتل والهلاك؛ ألا ترى أن من وجب عليه الرجم لم يرفع عنه بالمرضِ الرجم؛ لأن في الرجم هلاكه، فلما رفع عنهم القتال في حال المرض، أو في الحال الذي يخاف الهلاك - دل أنه لم يرد بشراء الأنفس بذلها للقتل؛ ولكن أراد - واللَّه أعلم - إظهار دين اللَّه، ونصر أهل دينه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، جعل الثواب والأجر عند الغلبة على عدوه مثل ما جعل عند القتل، ولو كان الأمر بذلك أمرًا بالقتل خاصة - لا يستوجب الأجر والثواب بغيره؛ دل أنه ما ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال: (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) : جعل الوعد للقاتل ما جعل للمقتول.
هذا كله يدل أن الأمر بذلك ليس على القتل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ)
قد ذكرنا أن الأمر بأخذ الحذر يحتمل وجهين:
أحدهما: فيه الأمر بتعلم آداب الحرب وأسباب القتال، وألا يكلوا الأمر إلى ذلك خاصة؛ لكن إلى ما وعد لهم من النصر والظفر على عدوهم بعد أخذ الأهبة؛ ألا ترى أنه قال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ...) الآية، وقال - تعالى -: (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ...) الآية.
والثاني: يحتمل أن يأمرهم بأخذ ما يدفعون به سلاح العدو عن أنفسهم ويتقون به، نحو الترس، أو الدرع، أو البنيان، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)