قال: نعم إني أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} فقال: حسبك ، فإذا عيناه تذرفان الدموع"."
فإذا كان الشهيد بكى من وقع الآية فكيف يكون حال المشهود عليه ؟ الشهيد الذي سيشهد بكى من الآية ، نعم ؛ لأنك تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ملئ قلبه رحمة بأمته ؛ ولذلك قلنا: إن حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته جعل ربه يعرض عليه أن يتولى أمر أمته ، بعد أن علم سبحانه مدى عنايته صلى الله عليه وسلم بهذه الأمة:
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] .
فأمر أمته صلى الله عليه وسلم كان يقلقه جداً على الرغم من أن الحق سبحانه قد أوضح له: أنت عليك البلاغ وليس عليك أن تهدي بالفعل ، وهو صلى الله عليه وسلم يعرف هذا. إنما حرصه ورحمته بأمته جعله يحب أن يؤمنوا ، وعليه الصلاة والسلام خاف على أمته من موقف يشهد فيه عليهم ضمن من سيشهد عليهم يوم الحشر. فلما رأى الحق سبحانه وتعالى أن رسوله مشغول بأمر أمته قال له: لو شئت جعلت أمر أمتك إليك.
وانظر إلى العظمة المحمدية والفهم عن الله ، والفطنة ، فقال له: لا يا رب. أنت أرحم بهم مني.
وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول للخالق:"أتنقل مسألتهم في يدي وأنا أخوهم ، إنما أنت ربي وربهم ، فهل أكون أنا أرحم بهم منك ؟ لقد كان من المتصور أن يقول رسول الله: نعم أعطني أمر أمتي لكنه صلى الله عليه وسلم قال: يا رب أنت أرحم بهم مني. فكيف يكون ردّ الرب عليه ؟. قال سبحانه: فلا أخزيك فيهم أبداً ، وسبحانه يعلم رحمة سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم بأمته".