هَلْ هُوَ مَحَلُّ الْإِعْجَابِ وَالتَّعْظِيمِ مِنَ النَّاسِ أَمْ لَا ؟ - وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَهُ نَعَمْ عَلَى لَا - وَشَرُّ هَذَا دُونَ شَرِّ الْبَخِيلِ ، فَإِنَّ هَذَا يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى قَبُولِ اخْتِيَالِهِ وَفَخْرِهِ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يَبْذُلُهُ لَهُمْ ، فَكَأَنَّهُ رَأَى لَهُمْ شَيْئًا مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ وَهُوَ بَدَلُ الْتَّعْظِيمِ وَالثَّنَاءِ الَّذِي يَطْلُبُهُ بِرِئَائِهِ ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ تَعْظِيمُهُ وَمَدْحُهُ لِأَجْلِ مَالِهِ - وَمَالُهُ فِي الصُّنْدُوقِ مَكْتُومٌ عَنْهُمْ - فَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْمُرَائِي بِلَا شَكٍّ ; وَلِذَلِكَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْبُخَلَاءِ اهْتِمَامًا بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَقُ فِي تِلْكَ الرَّذِيلَةِ وَآثَارِهَا ، وَالْمُرَائِي فِي الْحَقِيقَةِ بَخِيلٌ لَا يَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّهُ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ صَاحِبُ الْفَضْلِ عَلَى النَّاسِ ; وَلِذَلِكَ يَخُصُّ بِبَذْلِهِ فِي الْغَالِبِ مَنْ لَا حَقَّ لَهُمْ عِنْدَهُ ، وَيَبْخَلُ عَلَى أَرْبَابِ الْحُقُوقِ الْمُؤَكَّدَةِ حَتَّى عَلَى زَوْجِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ ، وَعَلَى الْأَقْرَبِينَ حَتَّى الْوَالِدَيْنِ ، وَلَا يَتَحَرَّى فِي إِنْفَاقِهِ مَوَاضِعَ النَّفْعِ الْعَامِّ وَلَا الْخَاصِّ ، وَإِنَّمَا يَتَحَرَّى مَوَاطِنَ التَّعْظِيمِ وَالْمَدْحِ وَإِنْ كَانَ الْإِنْفَاقُ هُنَالِكَ ضَارًّا كَالْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْفِسْقِ أَوِ الْفِتَنِ ، فَهُوَ تَاجِرٌ يَشْتَرِي تَعْظِيمَ النَّاسِ لَهُ وَتَسْخِيرَهُمْ لِقَضَاءِ حَاجِهِ وَالْقِيَامِ بِخِدْمَتِهِ .